القرار العراقي: بين أحترام الإرادة الوطنية وتعقيدات البيئة الدولية .؟
طه حسن الأركوازي ||

في خضم التحولات المُتسارعة التي تشهدها المنطقة ، يبرز العراق مُجدداً بوصفه ساحة تتقاطع فيها الحسابات الدولية مع التوازنات الداخلية في مشهد يعكس تعقيد مرحلة ما بعد الصراعات الكُبرى ، وصعوبة الانتقال من إدارة الأزمات إلى ترسيخ الدولة المُستقرة ، وقد أعادت التطورات الأخيرة المُرتبطة بالملف العراقي داخل الإدارة الأميركية ، وما رافقها من تصريحات مُتبادلة من تسليط الضوء على طبيعة العلاقة بين بغداد وواشنطن ، وعلى حدود التأثير الخارجي في مسارات السياسة العراقية .
تشير المُعطيات المُتداولة في وسائل إعلام دولية ، من بينها وكالات أنباء ومصادر بحثية غربية إلى تغييرات في آليات إدارة الملف العراقي داخل الخارجية الأميركية ، مع تداول معلومات عن إنهاء مهام مبعوث الرئيس ترامب مارك سافايا بالعراق ، وإسناد مُتابعة الملف إلى شخصية أميركية أخرى تشغل أدواراً إقليمية مُتعددة مثل هذه التطورات لا يمكن عزلها عن إعادة تقييم أوسع للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط والتي باتت تميل في السنوات الأخيرة إلى تقليص الانخراط المُباشر ، والتركيز على إدارة المصالح بأدوات أقل كُلفة ، وأكثر مرونة .
في المقابل ، جاء الموقف العراقي الرسمي ليُؤكد على ثوابت دستورية أساسية ، في مقدمتها أحترام خيارات الشعب ، والتمسك بالديمقراطية ، وصيانة النظام الاتحادي بوصفه إطاراً حاكماً لإدارة الدولة ، هذا الخطاب يعكس إدراكاً عراقياً مُتزايداً بأن أستقرار البلاد لا يتحقق عبر الارتهان للمواقف الخارجية ، بل من خلال ترسيخ قواعد داخلية واضحة تحكُم تداول السلطة ، وتُحدد مسارات العمل السياسي ، وتمنع الانزلاق نحو مشاريع التفكيك أو التقسيم .
وتبيّن تقارير صادرة عن مراكز دراسات عراقية وعربية ودولية أن أحد أبرز التحديات التي واجهت العراق بعد عام 2003 تمثّل في بناء نظام سياسي تعددي في بيئة أجتماعية مُنقسمة ومُثقلة بإرث طويل من الاستبداد والصراعات هذا السياق أنتج نظاماً سياسياً هجيناً يجمع بين آليات ديمقراطية شكلية ، وتوازنات غير رسمية تحكُمها أعتبارات القوة ، والتمثيل ، والهويات الفرعية ، ومع ذلك فإن التجربة العراقية رغم عثراتها قد أفرزت مُؤسسات قائمة ، وأنتخابات دورية ، وتداولاً سلمياً نسبياً للسلطة ، وهي عناصر لا يمكن التقليل من أهميتها عند مُقارنتها بتجارب دول أخرى خرجت من حروب أهلية أو تدخلات خارجية .
في هذا الإطار ، يرى باحثون في مراكز مثل “كارنيغي” و“تشاتام هاوس” و“المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية” أن نجاح أي دولة خارجة من نزاع طويل لا يُقاس بسرعة تحقيق الاستقرار الكامل ، بل بقدرتها على منع الانهيار الشامل ، والحفاظ على حد أدنى من التماسك المُؤسسي ، وفتح مسارات تدريجية للإصلاح ، ووفق هذا المنظور ، فإن العراق ما زال في مرحلة أنتقالية مُمتدة ، تتطلب صبراً سياسياً ، وإصلاحات تراكمية ، وإرادة داخلية قبل أي دعم خارجي .
التجارب الدولية تُقدم نماذج مُتعددة يمُكن الاستفادة منها ، فجنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري واجهت أنقسامات حادة ، وأزمات أقتصادية وأجتماعية عميقة لكنها راهنت على المُصالحة الوطنية ، وبناء عقد أجتماعي جديد ، وتحصين العملية السياسية عبر الدستور والمؤسسات .
أما إندونيسيا ، التي خرجت من عقود من الحكُم السُلطوي فقد أعتمدت مساراً إصلاحياً تدريجياً ركّز على اللامركزية الإدارية ، وتوسيع المشاركة السياسية ، ومكافحة الفساد على مراحل ، وفي الحالتين كان العامل الحاسم هو وجود توافق داخلي واسع على قواعد اللعبة السياسية لا مُجرد ضغوط أو توجيهات خارجية .
بالنسبة للعراق ، فإن أي نقاش حول مُستقبل النظام السياسي يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية مفادها أن التغيير المُستدام لا يُفرض من الخارج ولا يتحقق عبر صدمات مُفاجئة ، بل عبر مسارات داخلية هادئة قائمة على مراجعة التجربة ، وتشخيص الخلل ، والاتفاق على إصلاحات واقعية قابلة للتنفيذ ، وتشمل هذه الإصلاحات تعزيز أستقلال القضاء ، وتطوير قانون الأحزاب والانتخابات ، وضبط العلاقة بين الدولة والقوى المسلحة ، وترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه أساساً للحقوق والواجبات .
أما على صعيد العلاقة مع الولايات المتحدة ، فإن المصلحة العراقية تقتضي الحفاظ على شراكة مُتوازنة تقوم على أحترام السيادة ، وتبادل المصالح ، والتعاون في مجالات محددة مثل مكافحة الإرهاب ، وبناء القدرات ، ودعم الاستقرار الاقتصادي ، وفي الوقت نفسه من المُهم أن تدرك الحكومة أن تنويع علاقاتها الدولية ، والانفتاح على شركاء إقليميين ودوليين متعددين يُعزز هامش الحركة ، ويقلل من قابلية التأثر بتقلبات سياسات أي طرف بعينه .
الرسالة الأهم التي ينبغي أن تتوجّه إلى الطبقة السياسية العراقية في هذه المرحلة تتمثل في ضرورة الانتقال من منطق إدارة التوازنات المؤقتة إلى منطق بناء الدولة ، فالدولة لا تُبنى عبر صفقات ظرفية ، بل عبر رؤية طويلة الأمد ، ومؤسسات فاعلة ، ونخب سياسية تؤمن بأن الشرعية تُستمد من خدمة المواطن لا من حماية النفوذ .
أخيراً وليس آخراً .. إن العراق يمتلك مُقومات بشرية وأقتصادية وثقافية تؤهله ليكون دولة مُستقرة ومُؤثرة في محيطها ، إذا ما أُحسن أستثمارها ضمن مشروع وطني جامع ، وبينما ستبقى البيئة الدولية عاملاً مؤثراً ، فإن العامل الحاسم سيظل داخلياً ، مُرتبطاً بقُدرة العراقيين على تحويل التنوع إلى مصدر قوة ، والخلاف إلى تنافس سلمي ، والتجربة المتعثرة إلى أساس لإصلاح جاد وتراكمي .
بهذا المعنى ، فإن الجدل الدائر حول المبعوثين والتصريحات الخارجية ، على أهميته ينبغي ألا يطغى على النقاش الجوهري هو كيف يبني العراق دولته .؟
وكيف يصون قراره الوطني .؟
وكيف يجعل من الديمقراطية ممارسة راسخة لا مجرد عنوان دستوري .؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تبدأ من الداخل وتُستكمل بحكمة في إدارة العلاقات مع الخارج ضمن مُعادلة مُتوازنة تحمي السيادة وتخدم المصلحة الوطنية …!




