تجارة مع الله لن تبور.. الشهيد محمد كاظم محسن الدلفي..!
انتصار الماهود ||

حين قالوا أن العراق موطن الشجعان، هم لم يبالغوا ولم يكذبوا على مر الزمان، أنجبت أرضنا رجالا صناديد صانوا الأرض ودافعوا عنها ضد الغزاة، فللعراقيين تأريخ طويل في هذا المجال كانوا السد المنيع بوجه موجات الغزو، التي استهدفت تلك الأرض التي تحمل قيمة حضارية وثقافية، جعلتها مطمعاً للجميع وجعلت أبنائها دائماً في موقع الدفاع عنها كلما اشتدت بهم المحن.
لم يكن العراقيون ممن يواجهون بالسلاح فقط، بل واجهوا بالعقيدة والفكر والحضارة، فامتزجت دمائهم وعقيدتهم وهويتهم بهذه الأرض المقدسة، التي دافعوا عن كرامتها وسيادتها، ورغم تعاقب موجات الغزو وتغير الأزمنة لا زال العراقيون يمتلكون تلك الروح الثورية التي ورثوها من جيل لآخر، وهي شاهد على شعب لم يعرف يوماً الضعف أو الانكسار مهما تعرض للنكسات، لأنه كطائر الفينيق ينهض كل مرة من رماده المحترق ليعود أقوى من ذي قبل.
العراق قوي بأبنائه وعظيم بهم، ومنهم محمد كاظم محسن الدلفي الذي ولد في بغداد عام 1985، كان مضى على الحرب خمس سنوات وقد كان عقد الثمانينات من أصعب الفترات التي مرت على العراقيين، هم لم يعرفوا فيه الاستقرار فالخوف من المصير المجهول كان يقلق جميع العوائل، التي لا مفر لها من أن تقدم أبنائها قرابين لحرب أرادها صدام ليشبع غروره وكبريائه.
نشأ هذا الفتى في كنف عائلة بسيطة مادياً لكنها عظيمة بأخلاقها وعفتها وكرامتها، علمت الأبناء أن الكرامة فوق كل شيء وأن التمسك بمذهب آل البيت عليهم السلام هو طريق الحق، تلك الروح الحرة التي نتحدث عنها اليوم بفخر صقلتها الحياة ومجالس العزاء الحسيني، والخطب الدينية التي كان لها دوراً في جعل شخصية محمد هكذا، والذي أصبح يتمنى الشهادة في سبيل مذهبه على درب الحسين عليه السلام كان خدوماً لا يدخر جهداً ولا وقتا لمساعدة المحتاجين.
من يحبه الله تعالى يرزقه بحسن الخاتمة وهي الشهادة، ولذلك كان محمد يتمنى أن يختم عمره بالشهادة، لذا حين أطلقت المرجعية الدينية الرشيدة فتوى الجهاد الكفائي عام 2014، كان محمد من ضمن المتطوعين الذين تقدموا لقتال داعش الإرهابي، فانتمى لصفوف المجاهدين من إخوته في عصائب أهل الحق بداية عام 2015، لأنه كان متيقن بأن الأرض لن تصان بالدعاء فقط ولا بالبكاء بل بالدماء وهي ترخص من أجل الوطن والعرض.
في ميادين القتال لم يكن محمد مقاتلاً عادياً، بل كان روحاً حرة وقيادياً بالفطرة، يبادر حين يحتاج الموقف الى المبادرة دون أن ينتظر أحد، ينقذ الجريح وينقل الشهداء ويساعد المقاتلين، وكان يتمنى أن يرزقه الله الشهادة أما في ميادين القتال أو في خدمة الحسين عليه السلام.
هل تعلمون أن الشهيد يعلم بموعد استشهاده!، قالت لي أمي ذلك وأنا متيقنة بصدق حديث أمي، بأنهم يعرفون متى يتوفون، لذلك تراهم يودعون احبتهم ويوصون خيراً، وكأنهم يعرفون أن هذه الأيام هي آخر أيام لهم بيننا، والغريب أن محمد كان يوصي من حوله في آخر أيامه بوصيته، ويوصيهم خيرا بعائلته وألا يحزنوا ولا يبكوا خلفه، بل هو أيضا لم يكن حزيناً ولا قلقاً لأنه كان يعلم جيداً أنه يطلب الشهادة من الله تعالى وسينالها.
في معارك تحرير محور نينوى، ربما كانت تلك المعارك من أقوى المعارك التي خاضها أبطالنا، فما بين النار والدخان والدماء والموت التي كانت تحاصرهم من كل مكان، لكنهم لم يهتموا لذلك لأن الهدف أمامهم واضح وجليّ تطهير الأرض من دنس الاوباش، مهما كان الثمن الذي يجب أن ندفعه حتى وإن كانت أرواحنا، وهذا ما فعله محمد، قدم روحه ودمه الطاهر لتحرير أرض نينوى، فارتقى شهيداً في ال13 من تشرين الثاني عام 2016، بعد أن أدى رسالته وختم حياته خير ختام، فازدانت سماؤنا بنجمة أخرى تلمع في سماء الحق، وازدادت صفحات كتاب الشجعان التي نتحدث فيه عن البطولات بقصة محمد وتضحيته في سبيل أرضه.
فسلام وإجلال وإكرام، لمن تاجر مع الله بتجارة رابحة وفاز في الدنيا والآخرة.




