كنت ابحث عن الشهادة، وها هي أمامي الشهيد علي عباس شخير البو جاسم..!
زمزم العمران ||

قال تعالى في كتابه الكريم : (وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ )
بغداد الأرض التي تولدّ الرجال، ليضحوا بالنفس والنفيس من أجلها ويصونوا شرف الوطن وعزته وكرامته من دنس الاحتلال ، فولدت البطل الشجاع الشهيد علي عباس شخير البو جاسم في التاسع والعشرين من تشرين الثاني عام 1992.
نشأ علي في بيت بسيط، وكانت طفولته مثل الكثير من أبناء العراق، مخضبة بالحروب والحرمان، لكنه كان مختلفًا ، كان بارز في ميدان القوة والانضباط حتى أنه برع في رياضة كمال الأجسام ولكنه كان يعلم أن قوة الجسد لاتكتمل الا بقوة الايمان والعقيدة،
وفي عام 2014، ومع اشتداد السواد فوق سماء العراق، ومع إطلاق فتوى الدفاع الكفائي من المرجعية المباركة، وجد علي ضالته ، لم يتأخر، لم يتردد، بل انتمى فورًا إلى صفوف “عصائب أهل الحق”، واختار أن يحمل السلاح كما يحمل المؤمن عقيدته، بثبات وعزيمة لا تلين. تخصص في سلاح البي كي سي، وكان بارعًا فيه، يعرف كيف يجعل منه أداة تطهير من رجس التكفير والعدوان.
شارك في معارك عديدة، ولم تكن مشاركته شكلية، بل كان من أبناء الجبهات الأمامية، ممن يعرفون رائحة التراب الممزوج بالدم، ممن تمرّ بهم الطلقات وكأنها تحيي فيهم المزيد من الثبات ،قاتل في جرف النصر، وفي الكرمة، وفي سيد غريب، وفي الموصل،
وفي بيجي، وكان في كل قاطع من هذه القواطع كالسيف الذي لا يصدأ، وكالنبض الذي لا يتعب ،وفي بيجي، تلك الأرض التي تكررت عليها الملحمة مرارًا، كانت لحظة الحقيقة تقترب ، شعر علي بأن حلمه باللقاء مع الله قد آن أوانه، وأن ما كان يبحث عنه لم يعد بعيدًا، اتصل بأمه، بصوت لم تكن فيه نبرة ضعف، بل كان صوتًا مضمخًا باليقين، وقال لها
كلماتٍ تمزق القلب وتملؤه بالفخر في آنٍ معًا:
“أمي، اصبري على فراقي، كنت أبحث عن الشهادة، وها هي أمامي.”
كانت تلك الكلمات الأخيرة منه، لا وداعًا بل لقاءً مؤجلًا، رسالة كتبتها روحه لتبقى خالدة في صدر أمه، وبعد ساعات قليلة فقط، التحق بجبهة النار في بيجي، وارتقى إلى ربه في الحادي عشر من آذار عام 2017، كما تمنّى، كما طلب، وكما أعدّ نفسه سنين لأجله .
حين دافع علي عن دينه ووطنه وأمته لم يحسب حساب الحياة أبداً، وإنما دافع بكل ما فيه ليظفر بإحدى الحسنيين، فإما نصر مبين، وإما شهادة في سبيل الله، فهنيئاً له ماظفر به من فوز عظيم وسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.




