بين التكفير والجهل يتجوَّل قادة العرب رؤساءٌ وملوكٌ وأمراء، وبين التلال في عمق الأودية نَشْتَمُّ أنفاسَ الحسينيّين الشرفاء..!
د. إسماعيل النجار ||

منذ فجر الخليقة، من آدم عليه السلام، مروراً بمواكب الرسل والأنبياء، وصولاً إلى الدعوة المحمدية الخاتمة، لم تُبتلَ أمّةٌ بما ابتلت به نفسها، وكما ابتُليَ العرب بأنفسهم. فما نزل بالأرض من احتلال، ولا ما فرضه المستعمر من هيمنة، كان أشدّ وطأةً من الخراب الذي صنعته أيدينا حين فرّطنا بالقيم، وبدّدنا الرسالة، وبدّلنا البوصلة.
.جاء محمدٌ صلَّى الله عليه وآلِهِ وسلَّم بدينٍ حنيفٍ سمح، أخرج الناس من الظلمات إلى النور، بنى إنساناً قبل أن يقيم سلطاناً، ووضع ميزاناً للعدل لا يميّز بين لونٍ ولا عِرق، وجعل الناس صنفين؛ إمّا أخاً لك في الدين، أو نظيراً لك في الخلق. بدّل وأدَ البنات بصِلة الأرحام، والثأرَ بالرحمة، والجاهليةَ بشريعةٍ هي الأرقىَ والأنقىَ. لكن المأساة بدأت يوم انقلبت القيم، وصار الحكم غايةً لا أمانة، والعرش صنماً يُعبد.
انزلق كثيرٌ من ملوكٍ ورؤساء وأمراء الأُمَّة العربية والإسلامية إلى هاويةٍ قاعها زخرف الدنيا وبريقها. أغرتهم عروشٌ صُنعت على قياس المستعمر، فظلموا وطغوا، واستباحوا الكرامة، وباع بعضهم سيادة الأوطان مقابل دوام الكراسي. هناك، حيث تُقايَض المبادئ بالمناصب، ويُغفَر للخيانة باسم “الواقعية”، ويمسي الركوع للأجنبي سياسةً، ويُسمّى الصمت حكمة.
في الجهة الأخرى، نفرٌ قليلٌ اختاروا طريقاً أشقّ وأصدق. باعوا الدنيا وطلّقوها كما فعل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام، فاتخذوا المحراب حصناً، والقرآن دليلاً، والجهاد بالنفس طريقاً لإحقاق الحق. لم يكونوا أبناء شجرةٍ خبيثة، بل امتداد شجرةٍ طيّبة؛ أحفاد من نصروا محمداً ووقفوا في وجه الباطل.
عاد التاريخ إليهم بوجوهٍ جديدة، بقلوبٍ عامرة، وبشعارٍ لا يشيخ هيهات منّا الذلّة.
هؤلاء لم تهزمهم سطوةُ سلطانٍ جائر، ولا أرهبتهم عصا ملكٍ ضال. كانوا شجعاناً، حماةَ الأرض والناس، يذودون عنها كما تُذودُ الشُهُب عن السماء. قدّموا الشهادة بوعيٍ واختيار، وتركوا وصاياهم تقوى الله وحفظ خطّ المقاومة. إنجازاتهم شاهدة ردعُ العدوان،
تحريرُ أرضٍ مُغتصبة، تثبيتُ معادلاتٍ حمت الناس، وصناعةُ كرامةٍ حين كانت الكرامة عملةً نادرة. على تراب الجنوب آثارُ أقدامهم، وفي البيوت التي هدمتها الوحشية الصهيونية بقايا صمودهم، وفي الوديان والتلال والجبال أنفاسُهم التي ما زالت تمنح الحياة معنى.
واليوم، تتقاطع حولهم جموعُ التحريض والتكفير، أحفادُ فِتنٍ قديمة، يلتقون عند خصومة الحق، ويختلفون في كل ما سواه. أمّا أولئك الحكّام الذين خانوا وظلموا وسلّموا، فالتاريخ لا يرحم العار لباسهم، والارتهان نهجهم، والقسوة طباعهم. لا رأفة في قلوبٍ جفّت، ولا نجاة لمن جعل من الخضوع عقيدة.
اللهم احفظ المجاهدين الصادقين، واجمع شملهم، وثبّت أقدامهم. وخذ بحقّ المظلومين من ملوكٍ خانوا الأمانة، وباعوا القضايا، وبدّلوا الرسالة بزيف الدنيا. فبين جهلٍ يُكفّر، وتكفيرٍ يجهل، يبقى الحقّ حيّاً بأهله، وتبقى الكرامة طريقاً لا يسلكه إلا القلائل.
بيروت في،، 1/2/2026




