جُرحٌ ثمنه النصرْ.. الشهيد محمد كاظم عذافة العطواني..!
انتصار الماهود ||

من ميسان تأتي اليوم حكايتنا، من أرض النخيل والأهوار لتروي لنا قصة الأرض الطيبة التي أثمرت رجالا، ولتبين لنا معادن هؤلاء الغيارى الذين تربوا ونشأوا هناك، ربما لم نعرفهم في حياتهم ولم نكن قريبين منهم، لكن قصص بطولاتهم حين نقرأها تجعلنا نحس وكأننا نعرفهم منذ سنوات، صناديد وقفوا بوجه الإرهاب وخطوا بدمائهم سطور المجد والكرامة.
ميسان الأبية التي أنجبت لنا فخر رجالها، ومنهم الشهيد محمد كاظم عذافة العطواني الذي ولد في تموز عام 1970، رجل تربى في بيئة جعلته يحمل ملامحاً لا يمكن لك أن تقارنه بأي شخص آخر، ملوحة الأرض وطيبتها وقوتها تجسدت في تلك الوجوه السمراء التي تميزت عن الجميع.
هادئ ساكن، لكنه كان يحمل تلك النظرات الحادة وذلك الذكاء المتقد منذ صغره، روح حرة ميزته عن أقرانه، يحمل عشقاً وموالاة لمحمد وآل بيته الطيبين الطاهرين، فهو لم يعرف إلا طريقهم ولا عقيدة سوى عقيدتهم، متيقن أن من يسير على نهجهم ينجو ومن يتخلف عن سفينتهم يهلك.
نشأ في كنف أب وأم يحملون من الطيبة والشهامة والأخلاق التي فاضت على أبنائهم الثمانية، أنهى دراسته الإبتدائية ثم انخرط بسوق العمل، فالمنازل تحتاج لرجال تعين الاسرة وتخفف الحمل عن الوالدين، وكان محمد قد تحمل المسؤولية منذ صغره مع أبيه، واشتغل في مهن عدة اكتسب منها الخبرات التي جعلته ماهراً في عمله الذي اختاره.
عاش محمد تلك الفترات الإنتقالية بين حكم قرقوش والحرب والحصار، وكلنا نعرف كيف كانت تلك الأيام السوداء، وكيف مرت على العراقيين التي أنهكتهم نفسياً ومادياً وانسانياً، وجاء الإحتلال ليكمل ما بدأه اللعين صدام، فاجتاحوا الأرض وبحجة التحرير بدأت حقبة أخرى من معاناة العراقيين، كي تستولى على مقدرات البلد بحجة الديمقراطية والتحرر وبناء دولة بعيدة عن حكم صدام، وهم لا يختلفون بشيء عنه لتاتي بعدها تلك الحقبة الأكثر سواداً، وهي دخول العصابات التكفيرية التي استباحت الدماء وروعّت الأبرياء، وبدات بقتل الناس على الهوية لتمحو المعتقد وتغير الحاضر وتطمس معالم الحضارة والتأريخ.
هنا كان لابد أن يتخذ محمد موقفاً أما أن يرى كل ما يحدث ويرميه خلفه كما فعل الكثيرون، لينام رغداً في منزله، أو أن يتخذ خطوة جريئة ليختار طريق الحق، طريق المقاومة ومقارعة العدو، وكان هذا القرار حاسماً تطوع في صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق في عام 2015، رغم أن عمره كان آنذاك 45 عاما لكن هذا لم يمنعه من أن يكون مقاتلا ذا همة وحماساً وقوة تضاهي حماسة الشباب واندفاعهم.
شارك بمعارك شرسة وعنيفة من الحويجة الى الرطبة وحتى الموصل، وكان يضرب المثل بشجاعته وقوته وصلابته، شروگي جنوبي مملوح، لا يخاف من اسم الموت لو مر أمامه ولم يكن جباناً ليتراجع الى الوراء، كان يقتحم المخاطر لينقذ رفاق السلاح حين تحاصرهم النيران وكان فعلا حارساً للعقيدة والوطن.
له قصة عظيمة يجب ذكرها، روى زملائه أنهم حين اشتبكوا مع الإرهابيين في معركة قرب تلال الزلط واشتدت الاشتباكات بينهم وبين التكفيريين، وكانوا أبطالنا تحت نيران الجماعات المسلحة التي قصفتهم بالصواريخ أيضاً، لم ينتظر محمد أحدا وتصرف بوقتها، فتقدم دون تفكير ليتسلم الدبابة ويقودها بنفسه واقتحم صفوف العدو وقتل من قتل أمامه.
سجل في تلك اللحظة مشهداً بطولياً شجاعاً، ربما لن ترونه حتى في أفلام هوليود، كان هذا المشهد وتلك الحادثة حية في ضمير ووجدان كل من كان معه، تحدثوا كيف كان محمد يمتلك من سرعة البديهة والذكاء والقوة حتى استطاع إنقاذهم من موت محقق.
إلا أن هذا الموقف البطولي كان ثمنه غالياً جدآ، فقد أصيب محمد إصابة بليغة عانى من آثارها كثيراً خلال السنوات الأخيرة من حياته، ربما لو كان شخص اخر سيتململ ويحزن من هذا التعب الذي رافقه، إلا إنه كان صابراً محتسباً ومحتملاً للألم دون شكوى، فهو يرى أن تلك الجراح التي أصابته هي كأوسمة ونياشين على صدره فخور بما قدمه للوطن ولم ينتظر أي مقابل.
محمد كان رمزاً للنخوة العراقية الجنوبية التي تغلبت على كل شيء، لم يكن رجلاً عادياً أبدا فقد مزج العقيدة بالتضحية والبطولة معا، ليخرج لنا بتركيبة عجيبة من صنف الرجال الذين لا نستطيع أن نكتب عنهم دون أن يثيروا فينا العز والفخر.
وفي 28 من شباط عام 2019 حان موعد الرحيل بعد سنوات من التعب والألم ، رحل متأثراً بتلك الأوسمة التي حملها من آخر معركة له في تلال الزلط، رحل عنا ليلتحق بركب الصالحين والشهداء رحل جسداً لكن بقي أثرا وأي أثر أطيب من أثر الشهيد.
فسلام لك وعليك مني يا محمد والملتقى عند سيدي ومولاي الحسين عليه السلام.




