الغرور السياسي وفخ الثيران الثلاثة..!
علي جاسب الموسوي ||
٢٩/١/٢٠٢٦

ليست أزمة تشكيل الحكومة العراقية اليوم أزمة أرقام أو مقاعد، بل أزمة وعي سيـ.ـاسي واختبار أخلاقي قاس جدا … فقد كشفت تغريدة المـ..ـجرم القاتل دونالد ترامب والتي هي مدفوعة الأجر مسبقا، التي تدخل فيها سافرا ليمنع ترشيح نوري المالكي، حجم الاستباحة التي يتعرض لها القرار العراقي، والأخطر من ذلك: كشفت هشاشة بعض الداخل حين يغريه الغرور، مصداقًا لقوله تعالى ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
إن ترشيح أي شخصية لرئاسة الوزراء حق دستوري عراقي صرف، غير مقفول، ولا يخضع لمزاج رئيس أمريكي سابق أو لاحق. والدستور لا يُعلق عندما يغرد ترامب، ولا تُجمد السيادة عندما يرفع الخارج صوته .. لكن المؤلم حقا أن يكون الخطر الأكبر ليس في التدخل الخارجي بقدر ما هو في الاستجابة الداخلية له، حين يتوهم بعضهم أنه بلغ من القوة ما يجعله بمنأى عن السقوط، وقد قال الله تعالى محذرًا من هذا الوهم:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾.
داخل الإطار التنسيقي اليوم، برز خطاب متعال وتصرفات فجة لدى بعض الأطراف، مدفوعا بوهم (المقاعد الأكثر) و( التمثيل الأوسع ) .. هذا الغرور السياسي جعل البعض ينسى أن الإطار لم يُبن على حسابات انتخابية ضيقة، بل على وحدة موقف في لحظة تهديد وجودي … وحين يتحول العدد إلى أداة استعلاء، فإننا نكون قد وضعنا أول حجر في طريق الانقسام، وهو عين ما حذّر منه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) بقوله:
( إيّاكَ والعُجبَ بنفسِكَ، والثقةَ بما يُعجبُكَ منها، وحُبَّ الإطراءِ؛ فإنّ ذلك من أوثقِ فُرَصِ الشيطانِ في نفسِه ليمحقَ ما يكونُ من إحسانِ المُحسنين)
وهنا تحضر قصة الثيران الثلاثة لا بوصفها حكاية تراثية، بل كنبوءة سياسية تتكرر .. لم يُهزم الثور الأبيض لأنه ضعيف، بل لأن أخويه انخدعا بالأسد، واعتقدا أن التضحية به ستحميهما … وحين سقط الأبيض، لم يبق للأحمر ولا للأسود إلا الانتظار في طابور الافتراس، تماما كما يسقط المشروع حين يُضحى بشركائه واحدا بعد آخر بذريعة (الواقعية) أو (المرحلة)
إن من يظن اليوم أن شق الإطار، أو إقصاء شريك، أو الطعن بحليف او او التشكيك (بمباركة) … سيمنحه حصانة أو قبولا خارجيا، إنما يكرر الخطأ نفسه .. الأسد لا يشبع بتقديم ثور واحد، بل يزداد جوعا، ويطلب المزيد، حتى لا يبقى في الساحة إلا نادم لا ينفعه الندم.
الغرور أخطر من الخصم، لأنه يُعمي البصيرة، ويحول الشريك إلى عبء، ويجعل السياسي يرى نفسه أكبر من القاعدة، وأذكى من التاريخ. والرياء السياسي لا يبدأ بالكذب على الناس، بل بالكذب على النفس، حين يظن المرء أن ما حققه هو إنجاز فردي لا ثمرة موقف جماعي، وقد قال أمير المؤمنين (ع) في هذا المعنى:
( ما لِابنِ آدمَ والفخرُ؟ أوّلُه نُطفة، وآخرُه جيفة، لا يرزقُ نفسَه، ولا يدفعُ حتفَه)
لذلك نقول ونكرر الإطار التنسيقي اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما أن يكون إطارا سياديا متماسكً، يُغلق فجواته الداخلية، ويرفض الابتزاز الدولي مهما كانت كلفته،
أو أن يتحول إلى ثيران متفرقة، يصفق كل واحد منها لسقوط الآخر، حتى يأتي دوره.
وليتذكر اصحاب الغرور قبل غيرهم:
لم يُؤكل أحد يوم أُكل، بل أُكل يوم صمت حين أُكل غيره.
وسوء العاقبة لا تأتي فجأة… بل يبدأ بالغرور.
https://t.me/alichasib4
Telegram (https://t.me/alichasib4)




