خريف الحصار وعنفوان البقاء..هل تُكسر الجمهورية الإسلامية الإيرانية اليوم؟!
د. سوزان زين ||

لا يمكن قراءة المشهد الإيراني الحالي بمعزل عن الذاكرة المثقلة بالمحطات الكبرى والصعبة، فما يراه البعض اليوم وضعاً جديداً، يراه المطلع على تاريخ الثورة الإسلامية فصلاً جديداً من فصول الصمود الذي رافقها منذ ولادتها.
إن المقارنة بين الأمس واليوم تكشف أن الجمهورية الإسلامية لم تعرف الرخاء المعبّد بالورود، بل صُقلت هويتها في أتون المواجهات الأشد قسوة.
بعد انتصار الثورة الإسلامية، واجهت الثورة ما يمكن تسميته عاصفة كاملة:
-داخلياً: صراعات سياسية مع تيارات مناهضة، ونزعات انفصالية في مناطق متعددة، واغتيالات طالت الصف الأول من رجال الثورة ونخبها وقادتها، وجماعات سياسية لها توجهات مخالفة لأصل حاكمية الإسلام حاربت النظام.
-عسكرياً: فُرضت عليها حرب السنوات الثماني في وقت كان فيه الجيش في طور إعادة الهيكلة، والبلاد تفتقر لأبسط المقومات الدفاعية، مقابل دعم دولي وإقليمي غير محدود لنظام صدام حسين، كانت حرباً طاحنة خاضتها الجمهورية الإسلامية باللحم الحيّ في ظل رئاسة أبو الحسن بني صدر العميل.
-اقتصادياً: بدأ الحصار الظالم ينهش جسد الدولة، محاولاً خنق الثورة في مهدها.
خرجت إيران من الحرب بعد ثماني سنوات منهكة مدمرة فارغة الخزينة، إلا أنها كسبت ما هو أثمن من المادة، خرجت تحمل تجربة هائلة استطاعت فيها أن تتكيّف مع أقسى الظروف وأن تبدع في اجتراح الحلول.
لقد ولدت من رحم تلك المعاناة ثروة إنسانية عظيمة من الشباب المبدع الذي تعلم كيف يحول التهديد إلى فرصة، وكيف يبني منظومة دفاعية واكتفاءً ذاتياً من الصفر، هذا الإرث الثقافي والروحي هو الذي يشكل اليوم العمود الفقري للدولة.
اليوم يتكرر المشهد بضغوط اقتصادية وتهديدات عسكرية جدية بالحرب المدمّرة، لكن الجمهورية الإسلامية اليوم تملك في جعبتها الكثير ممّا لم تكن تحوزه في ظروف أصعب من هذه بما لا يقاس، وأهم ما تملكه اليوم بصيرة الشعب والشباب والتفافهم حول نظامهم وقائدهم الذين يعرفون جيداً قيمته.
إن التحشيد الذي نراه اليوم لحرب الأحزاب الجديدة، لن يفتّ في عضد من استلهموا من التاريخ دروس الصبر واليقين، ولن يرهب المؤمنين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
فكما صمدت طهران بالأمس وهي لا تملك سلكاً شائكاً، هي اليوم أكثر ثباتاً وهي تملك البصيرة والقوة.
إنها معركة الإرادة التي يثبت فيها المؤمنون بقضيتهم، لأن الاستحقاقات الكبرى تتطلب نفوساً لا تهتز، وأن العاقبة دائماً لمن ثبت وصبر.
ومهما جال وأرعد وأبرق عمرو بن ودٍّ، فإن علياً (ع) ما زال ينادي من قلب طهران: أنا له يا رسول الله.
وحين يبرز الإيمان كله إلى الشرك كله، سيشهد الناس جميعاً أن الله أكبر.




