سافايا: استقرار العراق وإنهاء المليشيات.. يبدأ بتفكيك شبكات الفساد أولا..!
عامر جاسم العيداني ||

في تصريح لا يمكن التعامل معه ككلام عابر أو توصيف نظري قال مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى العراق مارك سافايا إن «استقرار العراق وإنهاء المليشيات يبدأ بتفكيك شبكات الفساد أولا».
وحين يصدر هذا الكلام عن الادارة الاميريكية ، فإنه يتحول من رأي سياسي إلى إشارة مبكرة على اتجاه سياسة وربما خارطة ضغط قادمة.
العبارة رغم بساطتها الظاهرية تحمل رؤية أميركية متكاملة لطبيعة الأزمة العراقية، فواشنطن لا تنظر إلى الفساد بوصفه خللا إداريا أو انحرافا أخلاقيا بل تراه نظاما اقتصاديا موازيا تشكل بعد عام 2003 يربط السياسة بالمال والسلطة بالسلاح والدولة باللا دولة ومن هذا المنظور فإن المليشيات ليست ظاهرة منفصلة بل نتيجة مباشرة لشبكات فساد وفرت لها المال والحماية والنفوذ.
عندما يتحدث سافايا عن “شبكات الفساد”، فهو لا يقصد موظفين صغارا أو ملفات محلية بل يشير إلى رؤوس كبيرة ، سياسيون نافذون، أحزاب مشاركة في الحكم، مسؤولون يديرون موارد النفط والمنافذ الحدودية والمصارف والعقود الحكومية. هذه الشبكات في الرؤية الأميركية هي التي مولت الفصائل المسلحة ووفرت لها القدرة على البقاء خارج سلطة الدولة وجعلتها لاعبا اقتصاديا لا مجرد قوة أمنية.
أما سؤال: كيف تعرف الولايات المتحدة “رؤوس الفساد”؟
فالجواب يكمن في أدوات النفوذ لا في الشعارات حيث واشنطن تمتلك معلومات تفصيلية عن حركة الأموال العراقية خارج البلاد وعن الحسابات المصرفية والشركات الوهمية وعن العقارات والاستثمارات في العواصم الإقليمية والغربية وهي لا تخفي اعتمادها على هذه الملفات في فرض العقوبات أو في إعادة رسم خريطة التحالفات داخل العراق.
لكن الأخطر في التصريح ليس التشخيص بل ما يوحي به من آلية تفكيك فالتفكيك هنا لا يعني إصلاحا وطنيا تقوده مؤسسات عراقية مستقلة بل ضغطا خارجيا مركبا مثل عقوبات مالية وتجفيف مصادر التمويل ( وعزل سياسي)..!!
وإضعاف تدريجي لمراكز القوة. وان الهدف ليس اجتثاث الفساد دفعة واحدة بل إعادة هندسة النظام السياسي بطريقة تقلص نفوذ القوى غير المنسجمة مع السياسة الأميركية.
وفي هذا السياق يصبح الحديث عن إنهاء المليشيات أكثر وضوحا فالإدارة الأميركية الحالية لا تبدو معنية بمواجهة عسكرية مباشرة بل بتقويض الأساس المالي الذي تقوم عليه تلك الفصائل ضرب المال يعني ضرب السلاح وتحويل المليشيا من قوة ضغط إلى عبء ومن لاعب إقليمي إلى مشكلة داخلية قابلة للاحتواء أو التفكيك عبر الانقسامات.
ويبقى السؤال الجوهري: بأي سلطة تتحدث واشنطن عن إنهاء المليشيات داخل دولة ذات سيادة؟
الإجابة ليست قانونية بل واقعية بإنها سلطة النفوذ الاقتصادي والتحكم بالنظام المالي العالمي والقدرة على فرض العزلة أو منح الشرعية فإن إدارة ترامب لا تحتاج إلى قرارات أممية كي تضغط ما دامت تملك مفاتيح الدولار والبنوك والتصنيف المالي والعقوبات.
في الخلاصة فإن تصريح مبعوث الرئيس ترامب لا يعكس حرصا أخلاقيا على العراق بقدر ما يكشف رؤية أميركية صريحة فآن استقرار العراق لا يقاس بسلامة مجتمعه بل بمدى انسجام نظامه السياسي والأمني مع المصالح الأميركية، أما الفساد والمليشيات فهما في هذا الخطاب أدوات قوة يجري تفكيكها أو إعادة توظيفها بحسب الحاجة.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى وهي ان تبدأ معركة الاستقرار بإسم مكافحة الفساد لكنها قد تنتهي بإعادة إنتاج أزمة جديدة عنوانها سيادة منقوصة وقرار وطني مرتهن واستقرار يدار من الخارج لا يصنع في الداخل.




