الخميس - 14 مايو 2026

هندسة السيادة: كيف يستعيد العراق دوره الفاعل .؟

منذ 4 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في خضم التحولات الجيوسياسية المُتسارعة التي تعصف بالمنطقة ، يجد العراق نفسه اليوم أمام أستحقاق تاريخي يفرض عليه عبور الفجوة بين كونه “ساحة لتوازنات القوى”وكونه “دولة فاعلة في محيطها”.
إن أستعادة المُبادرة السياسية ، وصيانة القرار الوطني لم تعد رهناً بلغة الصدامات ، بل باتت ترتكز على تبني أستراتيجية “السيادة المستدامة” تلك التي تملك القدرة على تحويل التنافس الدولي فوق الأراضي العراقية إلى فرص حقيقية للبناء المؤسسي والنمو الاقتصادي ، وبينما يظل العراق نقطة الارتكاز الحيوية في موازين الشرق الأوسط ، فإن التقارير البحثية الرصينة تضعنا أمام تساؤل جوهري ومُلح : هو كيف يُدير العراق علاقاته المُتشابكة مع القوى الكبرى والإقليمية ، وتحديداً “واشنطن و طهران” .؟
بمعادلة وطنية ترفض التبعية وتتجاوز الصِدامات ، لتضع مصلحة الدولة العُليا فوق كُل أعتبار .؟

إن القراءة المتأنية للمشهد العراقي تشير إلى أن البلاد تعيش حالة من “التدافع الدبلوماسي” الذي يتجاوز الأُطر العسكرية التقليدية ، لينتقل إلى فضاءات النفوذ السياسي والاقتصادي والمؤسساتي وهو ما يفرض على الطبقة السياسية تبني أستراتيجية وطنية شاملة تُعيد تعريف السيادة في عالم متعدد الأقطاب .

إن ما تصفه بعض التحليلات بقوة الدور الأمريكي أو تزايد تنامي النفوذ الإقليمي ليس سوى أنعكاس لغياب رؤية عراقية مُوحدة أتجاه الشراكات الدولية ، فالدول الناجحة هي التي تحول أراضيها من “ساحات لتصفية الحسابات” إلى “جسور للتواصل السياسي والاقتصادي والأمني” ، وبالنظر إلى التجارب الدولية المماثلة ، نجد أن دولاً مثل “ألمانيا واليابان” بعد الحرب العالمية الثانية ، أو حتى “فيتنام” في العصر الحديث أستطاعت تحويل الوجود الأجنبي ، والتنافس الدولي على أراضيها إلى فرص للبناء المؤسسي ، والنمو الاقتصادي عبر أنتهاج سياسة “البراغماتية الوطنية” ، هذه السياسة لا تعني بالضرورة الصِدام ، بل تعني “فرض إرادة الدولة وصيانة قرارها السيادي” من خلال تقوية المؤسسات ، وضمان أستقلال القضاء ، وتحصين الاقتصاد من التبعية الأحادية .

تُظهر البيانات الاستقصائية أن أستقرار العراق يرتبط أرتباطاً وثيقاً بقُدرته على ممارسة دور “الوسيط النزيه” واللاعب المستقل .

إن الاعتماد المُفرط على طرف دولي واحد ، أو السماح بتحويل المؤسسات الوطنية إلى مسارات لخدمة أجندات خارجية ، يؤدي بالضرورة إلى إضعاف العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة ، لذا فإن النصيحة السياسية المهنية تقتضي العمل على “توطين” القرار الأمني والسياسي والاقتصادي ، بحيث تكون المصالح الوطنية هي “البوصلة” الوحيدة في توجيه الإنفاق العام وتشكيل التحالفات .

إن العراق يمتلك من الكفاءات والثروات والموقع الجغرافي ما يؤهله ليكون شريكاً دولياً لا مجرد ساحة نفوذ ، وهذا يتطلب أنتقالاً مدروساً من “سياسة المحاور” إلى “سياسة التوازن الإيجابي” ،

وعلى صعيد الإصلاح الهيكلي ، فإن تجارب الدول الخارجة من النزاعات تشير إلى أن الخطوة الأولى نحو السيادة الحقيقية تبدأ من إصلاح الجهاز الإداري للدولة وفصله عن التجاذبات السياسية ، إن تحجيم التدخلات الخارجية لا يتم عبر البيانات المُنددة ، بل عبر بناء مؤسسات أمنية وأقتصادية تمتلك من الكفاءة والمهنية ما يجعلها عصية على الاختراق .

وفي هذا السياق ، تبرز أهمية تعزيز السلطة القضائية لضمان سيادة القانون فوق الجميع ، فهي الخيمة التي تحمي البلاد ، والقضاء القوي هو الضمانة الأكيدة لمنع أستخدام الدولة كغطاء لسياسات غير وطنية .
إن الحكومة والبرلمان والدبلوماسية العراقية مدعوة اليوم لإعادة صياغة أتفاقيات الإطار الاستراتيجي مع كافة القوى الدولية بما يضمن نقل التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية ، بدلاً من حصر العلاقة في الأطر التقليدية الصرفة .
إن الحديث عن نفوذ أجنبي ، سواء كان دولياً أو إقليمياً ، يجب أن يُقرأ في سياق “الفراغ المؤسسي” ، فكلما تراجعت الدولة عن دورها في تقديم الخدمات وحفظ الأمن وتطوير الاقتصاد ، وجدت القوى الخارجية مساحات للتحرك ، ومن هنا تبرز المسؤولية الوطنية للفاعلين السياسيين في تقديم التنازلات المُتبادلة من أجل مشروع “الدولة القوية”، التي تملك شجاعة قول “لا” حين تتعارض الطلبات الخارجية مع المصلحة الوطنية ، وقول “نعم” حين تحقق تلك الشراكات رفاهية الشعب .
إن التاريخ لا يرحم الدول التي تفرط في قرارها السيادي لصالح توازنات مُؤقتة ، ولكنه يُخلد تلك التي أستطاعت بذكاء دبلوماسي أن تُحافظ على أستقلالها وسط العواصف .

أخيراً وليس آخراً .. سيظل العراق رقماً صعباً في المعادلة الدولية ، وقَدره أن يكون مُلتقى للحضارات والمصالح ، إن الرؤية الناضجة تقتضي أستيعاب دروس الماضي ، والتحرك نحو بناء دولة المؤسسات والمواطنة التي لا تميز بين مكوناتها ، وتضع مصلحة الوطن فوق أي أعتبار .

\إن الطريق نحو السيادة الكاملة يمر عبر الحوار الوطني الهادئ ، والعمل المؤسسي الرصين ، والتمسك بالشرعية الدولية مع الحفاظ على الخصوصية الوطنية ، فهي دعوة صادقة للمُراجعة والبناء ، ليكون العراق بلداً سيداً ، مُستقراً ، ومُزدهراً ، بعيداً عن صراعات المحاور ، مُستنداً إلى إرثه التاريخي العريق ، وتطلعات شعبه نحو مستقبل أفضل …!