الخذلان الأميركي للأصدقاء قبل الأعداء..!
عادل الجبوري ||

يقول المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توماس باراك، تعليقا على التطورات الدراماتيكية الأخيرة في المشهد السوري، “إن الغرض من قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، كقوة رئيسية لمكافحة تنظيم “داعش” على الأرض قد انتهى إلى حد كبير، وانها-أي قسد-كانت حليفة رئيسية للولايات المتحدة في قتال “داعش” الذي سيطر على أجزاء كبيرة من العراق وسوريا بين عامي 2014 و2017، لكن مبررات الشراكة الأميركية مع قسد تغيرت حاليا”.
هذا المشهد المسرحي المضحك المبكي، يعود بالذاكرة إلى مشهد مماثل حصل قبل حوالي خمسين عاما، وتحديدا في عام 1975، حينما رفعت الولايات المتحدة الاميركية دعما واسنادها لأكراد العراق، بزعامة الراحل الملا مصطفى البارزاني حينذاك، بعد ان هندست اتفاقية الجزائر بين نظام حزب البعث في بغداد، ونظام الشاه محمد رضا بهلوي في طهران، والتي تم بمقتضاها تنازل العراق عن جزء من اراضيه ومياهه لإيران مقابل قيام الأخيرة برفع اليد عن الأكراد، وكان وزير الخارجية الاميركي السابق هنري كيسنجر، هو مهندس اللقاء وابرام الاتفاق بين صدام وشاه ايران.
والملفت إن ما قاله المبعوث الاميركي توماس باراك عن تخلي واشنطن عن قوات سوريا الديمقراطية، لم يختلف من حيث الجوهر والمضمون عما قاله كيسنجر للملا البارزاني، حينما وجه الأخير انتقادات حادة ولاذعة للولايات المتحدة بسبب خذلانها للاكراد، فقد رد كيسنجر على البارزاني بـ”أننا لسنا منظمة تبشيرية، بل دولة لها مصالحها وحساباتها”.
وإلى وقت قريب، كان قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، يرى في الولايات المتحدة حليفا وداعما اساسيا له، وربما لم يدر في خلده، أنها ستقف إلى جانب الجولاني، الذي كان يوما ما قابعا في سجونها، وتمكنه من الحاق الهزيمة بقسد!.
وبصرف النظر عن طبيعة سياسات ومواقف وتوجهات واهداف وطموحات (قسد)، فإن ما يمكن قوله والتأكيد عليه، هو أن خذلان الاصدقاء والتخلي عنهم، يعد من ابرز سمات السياسة الاميركية، ولعل المكون الكردي بإطاره الواسع الشامل، تعرض لذلك الخذلان الان وقبل نصف قرن، وتعرض له شاه ايران، وتعرض له ساسة وزعماء كثيرون في آسيا واميركا اللاتينية، وتعرض له كذلك رئيس النظام العراقي السابق، صدام حسين، الذي عبر عن ذلك بلسانه خلال بعض جلسات محاكمته خلال الاعوام 2004 و 2005 و2006. وتعرض له الرئيس الأوكراني الحالي، فلاديمير زيلنيسكي، الذي كان يأمل ويتوقع ان تقف واشنطن بكل ثقلها العسكري والسياسي معه، حتى لا ينهزم امام روسيا، بيد أن العكس قد حصل.
كذلك، تخلت الولايات المتحدة الأميركية عن حلفاء مهمين لها في المنطقة، في اطار ما سمي بـ”ثورات الربيع العربي”، أمثال الرئيس التونسي الأسبق، زين العابدين بن علي، والرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، الذي قال يوما ما (المتغطي بأمريكا عريان)، في إشارة إلى عدم الوثوق بها، لسياساتها المخادعة، وتنصلها عن أي وعود أو التزامات.
فالولايات المتحدة الاميركية، مستعدة للتخلي وخذلان كل اصدقائها وحلفائها واتباعها متى ما اقتضت مصالحها ذلك، إلا الكيان الصهيوني فإنه خط احمر، لا يجوز لاي رئيس اميركي اضعافه أو التخلي عنه، تحت اي ظرف من الظروف.
فهي-اي الولايات المتحدة-استخدمت كل السبل والوسائل ضد ايران، منذ انتصار الثورة الاسلامية ربيع عام 1979، ووقفت بوجه حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية، واسقطت انظمة، واستهدفت واغتالت ساسة وزعماء وقادة من أجل الحفاظ على امن الكيان الصهيوني ووجوده وبقائه، وما فعلته وتفعله في سوريا، لا يخرج عن هذا السياق والهدف، بل أنه يعدّ في صلبه وجوهره.
إلى جانب ذلك، فإن الرئيس الحالي دونالد ترمب، يسعى إلى اخضاع الجميع، ويسعى جاهدا إلى أن يكون زعيما للعالم، وصوّر نفسه بأنه المخلّص والمنقذ، بينما واقع الحال يشير إلى عكس ذلك تماما. اذ إنه -أي ترامب- ساهم في احداث مجازر دموية مروعة في قطاع غزة على امتداد عامين، ناهيك عن الدمار الهائل الذي لحق بالمنشآت والمرافق الحيوية الاستراتيجية، كذلك منع إيصال الغذاء والدواء لملايين الناس في القطاع، عبر تشجيع الكيان على استمرار اغلاق المعابر والمنافذ الحدودية، كنوع من الضغط على حركة حماس بهدف اخضاعها وارغامها على التنازل والاستسلام.
واليوم فإن ترامب يعمل على تجريد منظمة الأمم المتحدة من أدوارها ومهامها، عبر تشكيل ما يسمى بـ(مجلس السلام) لادارة قطاع غزة، اذ نصب نفسه رئيسا لذلك المجلس، الذي رفض اغلب القادة والزعماء الاوروبيين الانضمام له، بحيث هو من يحدد شروط وضوابط الانضمام، وهو من يوافق أو يرفض انضمام هذا الطرف أو ذاك، علما انه تجاهل السلطة الفلسطينية، التي يفترض ان تكون حاضرة، لاسيما وانها كانت وما زالت متماهية ومنسجمة إلى حد كبير مع السياسات والمواقف الأميركية، على العكس من حركة حماس، المتبنية لخيار المقاومة والمواجهة. وهذا التجاهل للسلطة الفلسطينية هو خذلان صريح وواضح.
وتدرك دول عديدة، مثل روسيا والصين وايران وباكستان والهند وكوريا الشمالية والبرازيل، حقيقة وجوهر السياسات الأميركية الاستعلائية المخادعة على طول الخط، وتدرك بدرجة اكبر، طبيعة شخصية ترامب، المصاب بجنون العظمة، الساعي إلى الاستحواذ على كل شيء، والمستعد لفعل أي شيء من اجل إرضاء نزواته الشريرة. حتى وصل الامر إلى التصادم مع اقرب وافضل حلفائه الاوروبيين، بريطانيا وألمانيا وفرنسا، التي لم تعد تحتمل الصمت والتغافل، بعد ان افصح ترامب عن أهدافه ومطامعه المتمثلة بفرض هيمنته على أوروبا، انطلاقا من جزيرة غرينلاند.
ولعل كل ذلك الخذلان والخداع والتضليل الأميركي الترامبي، يمكن ان يفضي عاجلا ام اجلا إلى مشكلات وازمات خطيرة كبرى للولايات المتحدة نفسها قبل غيرها. وهذا ما لا يلاحظه ترامب وأعضاء فريقه، في خضم نشوات الانتصار الزائفة، ونزعات الغرور الفارغة، واوهام القوة الخادع.




