إشكالية قياس الصراع بمنطق الرصاصة الأخيرة.. مقاربة فكرية في السنن الإلهية ومنهج قراءة الحروب..!
د. سوزان زين ||

أفرزت الحروب الأخيرة ولا سيما ما جرى في غزة ولبنان، موجة من الشبهات الفکریة والعقائدية، تجاوز بعضها حدود التساؤل المشروع إلى التشكيك بمنطق السنن الإلهية، وكأنّ النصر وعدٌ آني لا يمر عبر الإبتلاء، ولا يعرف التراجع المرحلي ولا كلفة الصمود.
وهذا التشكيك لا يصدر عن فهم عميق للتاريخ ولا عن قراءة واعية للوحي، بقدر ما ينشأ من اختزال الصراع في لحظة، وقياسه بمعيار النتائج السريعة.
لقد قدّم أهل البيت (عليهم السلام)، بوصفهم تراجمة الوحي، تفكيك هذه السنن وبيان منطقها الواقعي.
يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) واصفاً تجربة المؤمنين الأوائل مع رسول الله (صلّى الله عليه وآله):
«فَمَرَّةً لَنَا مِنْ عَدُوِّنَا، وَمَرَّةً لِعَدُوِّنَا مِنَّا، فَلَمَّا رَأَى اللَّهُ صِدْقَنَا أَنْزَلَ بِعَدُوِّنَا الْكَبْتَ، وَأَنْزَلَ عَلَيْنَا النَّصْرَ، حَتَّى اسْتَقَرَّ الإِسْلَامُ مُلْقِيًا جِرَانَهُ وَمُتَبَوِّئًا أَوْطَانَهُ».
هذا النص لا يبرّر الهزيمة، بل يضع لها ميزانها الصحيح، فهو يقرّ بأن تداول الأيام سنّة إلهية، وأن الغلبة المرحلية للعدو لا تعني انكسار الحق ما دام الصدق ثابتاً، وما دام الموقف لم يُبدَّل.
وانطلاقاً من هذا الميزان لا بد من التمييز بين الساحات، وعدم خلط الوقائع:
في لبنان يكفي التذكير بأن نحو خمسة وسبعين ألف جندي إسرائيلي عجزوا عن اقتحام مدينة الخيام وحدها، رغم كثافة النيران وتفوّق السلاح، والغطاء الدولي الواسع. هذا العجز الميداني دليل واضح على فشل تحقيق الأهداف، ويُعدّ – بكل المقاييس العسكرية – إنجازاً وانتصاراً دفاعياً يُحسب للمقاومة، بصرف النظر عن حجم الدمار أو فداحة الألم.
ورغم ذلك، إن حاجج أحدهم بأن الخسائر كانت كبيرة ولم يقتنع بهذا التوصيف، فعلى كثرة ما يمكن سوقه من ردود، يكفي القول إن ما جرى كان يوماً لعدوّنا منّا، في سياق حرب مفتوحة لم تُغلق فصولها بعد، ولا تزال مستمرة.
ولبنان في هذا السياق، ليس مصر ولا الأردن ليُقال إنه هُزم، فقصّة هاتين الدولتين مختلفة جذرياً، إذ خاضتا معركة ثم خرجتا منها مهزومتين، لا بسبب ضعف الجيوش فحسب، بل لأن الهزيمة تُرجمت سياسياً واستراتيجياً بإتفاقات أنهت موقعهما في الصراع، وأغلقت الجبهة من الداخل. وهذه هزيمة مكتملة الأركان، لأنها اقترنت بإنهاء الاشتباك والقبول بشروط العدو.
وفي المقابل، حتى الإمارات رغم ازدهارها الظاهري وأبراجها العالية، ورغم أنها لم تتلقَّ رصاصة واحدة، يمكن القول إنها هُزمت هزيمة قاسية، لأنها اختارت الاستسلام منذ البداية وخافت من كلفة المواجهة، فخرجت من الصراع طوعاً قبل أن تدفع أي ثمن.
أما القوى التي لا تزال تقاوم وتقاتل، فإن تلقيها الضربات لا يجعلها مهزومة، ما دامت لم تعلن الاستسلام، ولم تُسلّم بشروط العدو، بل أعادت تموضعها وبدّلت تكتيكاتها ضمن حرب طويلة النفس، تخضع لمنطق الاستنزاف وتراكم النتائج، لا لمنطق الضربة القاضية.
وعليه، فإن قياس الصراع بمنطق «الرصاصة الأخيرة» خطأ في الفهم قبل أن يكون خطأ في التقدير. فالسنن الإلهية – كما شرحها أمير المؤمنين (عليه السلام) – لا تعمل بلحظة بل بمسار، ولا تُثمر إلا حين يرى الله الصدق والثبات، لا حين تُبدَّل المواقف عند أول اختبار.




