العراق بين البراغماتية السياسية وأستحقاقات الاستقرار: قراءة هادئة في مشهد ما بعد ترشيح الكتلة الأكبر .؟
طه حسن الأركوازي ||

يدخل العراق مرحلة سياسية جديدة تتسم بحساسية أستثنائية في أعقاب إعلان الإطار التنسيقي ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون ،
السيد نوري المالكي بوصفه مرشح الكُتلة الأكبر لمنصب رئيس مجلس الوزراء ، ويأتي هذا الإعلان في سياق داخلي مُعقد ، تتداخل فيه نتائج الانتخابات مع توازنات القوى السياسية ، ويتقاطع مع بيئة إقليمية مُضطربة ، وضغوط دولية مُتزايدة ، ما يجعل من مرحلة ما بعد الانتخابات أختباراً حقيقياً لقُدرة النظام السياسي العراقي على إنتاج الاستقرار ، لا مجرد إعادة توزيع للسلطة .
إن ترشيح السيد المالكي لا يمكن فصله عن التحولات التي شهدها المشهد السياسي خلال الأشهر الماضية ، ولا سيما إعلان رئيس الوزراء الحالي ، السيد محمد شياع السوداني عدم المضي في الترشح لولاية جديدة ، في خطوة عُدّت آنذاك مُؤشراً على تعقيد حسابات المرحلة ، ومحاولة لتفادي أنقسامات أعمق داخل البيت السياسي الشيعي ، وقد مهّد هذا المسار تدريجياً لإعادة طرح الخيارات ذات الثقل السياسي والخبرة التنفيذية ، بعد أن تراجعت رهانات “مرشح التسوية” التي لم تنجح في تحقيق توافق عملي داخل الإطار التنسيقي أو في طمأنة الأطراف المختلفة .
من هذا المنطلق ، جاء ترشيح السيد المالكي بوصفه تعبيراً عن خيار براغماتي أكثر منه خياراً مثالياً ، يستند إلى منطق الواقعية السياسية في لحظة تتقلص فيها البدائل ، وتتقدم فيها أعتبارات الاستقرار على حساب المغامرة ، فالمالكي يُعد من أبرز الفاعلين السياسيين في العراق بعد عام 2003 ، ويمتلك خبرة طويلة في إدارة الدولة ، وشبكة علاقات سياسية داخلية وإقليمية واسعة ، إضافة إلى إلمامه بتعقيدات بنية النظام السياسي وآليات أشتغاله وهي عناصر ترى فيها بعض القوى السياسية مدخلًا لإدارة المرحلة المقبلة بأقل قدر من الارتباك .
في المقابل ، لا يغيب عن هذا الترشيح ثقل التجربة السابقة ، ولا سيما خلال الولاية الثانية التي ما تزال محل نقاش سياسي وإعلامي واسع ، غير أن هذا الجدل داخل الإطار التنسيقي وخارجه لا يُطرح اليوم من زاوية الإدانة بقدر ما يُستحضر بوصفه رصيداً من الدروس والخبرات ، يُفترض أن يُسهم في صياغة مُقاربة مُختلفة لطبيعة الحُكم ومتطلباته ، وعليه فإن أي حكومة مُحتملة برئاسة السيد المالكي ستكون محكومة بسياق سياسي مُغاير ، يقوم على تفاهمات أوسع ، وحوار أعمق ، وتوازن أدق بين مراكز القوة ، في ظل رقابة سياسية وشعبية أشد حضوراً .
في هذا السياق ، تواصل المرجعية الدينية العُليا في النجف الأشرف أنتهاج سياسة التحفّظ المدروس إزاء تفاصيل التنافس السياسي ، مع التأكيد غير المباشر على أهمية أحترام المسارات الدستورية ، وتحميل القوى السياسية مسؤولية إدارة مرحلة ما بعد الانتخابات بما يجنّب البلاد الانزلاق إلى أزمات جديدة ، ويعكس هذا الموقف حرص المرجعية على البقاء خارج الاصطفافات ، مُقابل الدفع نحو تسويات سياسية قابلة للاستمرار ، تستند إلى المسؤولية الوطنية لا إلى منطق الغلبة .
أما على مستوى الداخل الشيعي ، فيبقى موقف التيار الصدري عاملًا مُؤثراً في مُعادلة الاستقرار ، حتى في ظل غيابه عن العملية السياسية الرسمية ، فالتجربة العراقية أثبتت أن الشرعية لا تُقاس بالأرقام البرلمانية وحدها ، بل بقدرة أي حكومة على إدارة المزاج الشعبي ، وأحتواء التوترات الاجتماعية ، وتجنّب الصدامات التي قد تُربك المشهد العام وتضعف أداء الدولة .
وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي ، يبدو أن التعاطي مع المشهد العراقي ينطلق من سؤال الاستقرار أكثر من أرتباطه بالأسماء ، فالتقارير الصادرة عن مراكز دراسات معنية بالدول الخارجة من النزاعات تشير إلى أن نجاح المراحل الانتقالية يرتبط بوجود قيادات قادرة على إدارة التوازن الداخلي ، وتخفيف الاستقطاب ، وأعتماد سياسة خارجية مُتوازنة تحمي القرار الوطني من الانخراط في صراعات المحاور .
وفي هذا الإطار يُنظر إلى ترشيح السيد المالكي بوصفه خياراً يُراهن على الخبرة السياسية لضبط الإيقاع العام ، مع إدراك أن هذا الخيار سيخضع لأختبار دقيق على مستوى الأداء والإصلاح .
وتُشير تجارب عدد من الدول التي شهدت مراحل أنتقال سياسي مُعقّدة إلى أن الاستعانة بشخصيات تمتلك خبرة سياسية وتنفيذية واسعة قد تسهم في توفير قدر من الاستقرار في المدى المنظور ، لاسيما في البيئات التي تتسم بتشابك التوازنات وحساسية التحولات ، غير أن أستدامة هذا الاستقرار تظل مرهونة بقدرة هذه القيادات على إطلاق مُقاربات إصلاحية تدريجية ، وتعزيز التنسيق المؤسسي ، وبناء علاقة أكثر توازناً بين الدولة والقوى السياسية والمجتمع ، بما يخدم المصلحة الوطنية ويعزز الثقة العامة .
من هنا ، فإن التحدي الجوهري الذي يواجه الطبقة السياسية العراقية لا يتمثل في أسم رئيس الوزراء بقدر ما يتمثل في طبيعة مقاربة الحكم المقبلة :
هل ستكون إعادة إنتاج لتجارب سابقة ، أم محاولة جادة لبناء شراكة وطنية أوسع ، وتعزيز أستقلال المؤسسات ، وأحترام الدستور ، وتحصين القرار السيادي من الضغوط الداخلية والخارجية .؟
في المحصلة ، يقف العراق أمام لحظة مفصلية تتطلب تهدئة سياسية ، وإدارة عقلانية للتوازنات ، وحكومة تُدرك أن الاستقرار لم يعد ترفاً سياسياً ، بل شرطاً لبقاء الدولة ووحدتها ، وبين البراغماتية السياسية وأستحقاقات القوة ، يبقى الرهان الأساسي على وعي النخبة الحاكمة ، وقدرتها على تقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الحزبية والشخصية ، في مسار لا يزال مفتوحاً على أكثر من احتمال ، لكنه لا يحتمل مزيداً من الأخطاء …!




