كربلاء ميزانُ الموقفِ في عالمِ المصالح..!
آزاد محسن ||

في لحظاتِ الخطرِ تتعرّى المواقفُ وتسقطُ الأقنعةُ ولا يبقى ثابتاً إلّا من جعلَ الوقوفَ مع المظلومِ جزءاً من وعيِه وسلوكِه.
التجاربُ أثبتتْ أنّ الحليفَ الحقيقيَّ يُعرَفُ عندَ ارتفاعِ الكلفةِ حينَ تُصبحُ النصرةُ عبئاً وحينَ يتقدّمُ الثمنُ على العائد.
في هذا السياقِ يظهرُ الشيعةُ بوصفِهم السندَ الأوثقَ في معركةِ الحقِّ ضدَّ الظلم.
ثقافتُهم السياسيّةُ والأخلاقيّةُ تشكّلتْ عبرَ تاريخٍ طويلٍ من المواجهةِ حيثُ تحوّلَ الانحيازُ للعدلِ إلى التزامٍ عميقٍ لا يخضعُ لتقلّباتِ المصالح.
هذه الثقافةُ وُلدتْ من كربلاءَ وتغذّتْ من مدرسةِ الإمامِ الحسين (عليه السلام) التي جعلت التضحيةَ معياراً للموقفِ والثباتَ مقياساً للصدق.
المقاومةُ في الوعيِ الشيعيِّ خيارٌ متجذّرٌ لا حالةٌ عابرةٌ ولهذا ظلَّ حضورُهم ثابتاً في الساحاتِ التي اختُبِرَ فيها معنى النصرةِ حينَ آثرتْ قوى كثيرةٌ الانسحابَ وحينَ غلبتْ أطرافُ السلامةِ بقي هذا المسارُ وفياً لفكرةِ أنّ الظلمَ حينَ يُترَكُ يتمدّدُ وأنّ السكوتَ عنهُ يفتحُ الطريقَ أمامَه.
بالنسبةِ لأصحابِ القضايا العادلةِ ومنهم الإخوةُ الكُردُ فإنَّ البحثَ عن سندٍ يبدأُ من قراءةِ التجربةِ لا من وعودِ الخطابِ.
المتمسّكُ بأمريكا عُريانٌ والتجربةُ شاهدةٌ على ذلك، وها هم باعوا قضيّتَكم عندَ أوّلِ تقاطعٍ للمصالحِ حينَ تغيّرت الأولويّاتُ وتبدّلتِ الحسابات.
التجربةُ تشيرُ إلى أنّ الشيعةَ بثقافةِ المقاومةِ التي يحملونَها شكّلوا عبرَ مراحلَ مختلفةٍ عضداً صلباً في مواجهةِ القهرِ وحافظوا على مواقعِهم حينَ تغيّرتِ الظروف وضاقتِ الخيارات.
هذا الالتقاءُ لا يقومُ على تشابهِ الهويّاتِ وإنّما على وحدةِ الموقف، موقف يرى في الدفاعِ عن المظلومِ مسؤوليّةً أخلاقيّةً وفي المقاومةِ فعلاً يحمي كرامةَ الإنسان.
ومن هنا فإنّ شدَّ العضدِ بالشيعةِ اختيارٌ نابعٌ من فهمٍ عميقٍ لطبيعةِ الصراعِ ومعيارِ الوفاءِ فيه.
في عالمٍ تحكمُهُ المصالحُ العاريةُ وتُدارُ فيهِ القضايا على موائدِ الصفقاتِ
لا يبقى في الميدانِ إلّا من بنى موقفَهُ على الدمِ والتضحيةِ لا على الوعدِ والضمان.
الحليفُ الحقيقيُّ هو من يشاركُك الكلفةَ حينَ تصبحُ عاليةً ويثبتُ حينَ ينهارُ ميزانُ الربحِ والخسارة.
ومن هذا الامتحانِ خرجتْ ثقافةُ الشيعةِ بوصفِها ثقافةَ سندٍ لا تنكسرُ عندَ العاصفةِ ولا تتراجعُ عندَ الضغط، قوّةً تستمدُّ شرعيّتَها من الثباتِ ومن إيمانٍ راسخٍ بعدالةِ القضيّةِ ومن فهمٍ يرى في نصرةِ المظلومِ معنىً للوجودِ لا بنداً في جدولِ السياسة.




