المنطقة بين حافة الردع ومنطق الانفجار : قراءة هادئة في سيناريو المواجهة المحتملة .؟
طه حسن الأركوازي ||

تشهد المنطقة واحدة من أكثر لحظاتها حساسية وتعقيداً منذ سنوات في ظل تصاعد التقديرات الدولية بشأن أحتمال أنزلاق المواجهة ( الأميركية أسرائيلية – الإيرانية ) من مربع الضغوط السياسية والاقتصادية إلى فضاء العمل العسكري المباشر ، ولو بصيغ محدودة ومحسوبة فالتسريبات المُتواترة الصادرة عن وكالات أنباء دولية ، ومواقع بحثية أميركية وأوروبية ودولية مرموقة تعكس حالة غير مسبوقة من الترقب ، لكنها في الوقت ذاته تكشف حجم التردد والحسابات الدقيقة التي تحكم القرار في واشنطن وحلفائها ، كما في طهران ومحورها الإقليمي .
اللافت في المشهد الراهن ليس فقط الحديث عن ضربة مُحتملة أو تأجيلها ، بل طبيعة البيئة الاستراتيجية التي تُناقش فيها هذه الخيارات ، فالتدخل العسكري إن حصل لا يأتي في فراغ سياسي أو إقليمي ، بل في سياق دولي مُضطرب تتقاطع فيه أزمات كبرى ، من أوكرانيا إلى بحر الصين الجنوبي ، ومن غزة إلى أمن الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية ، ولهذا فإن أي عمل عسكري حتى وإن صُنف على أنه “محدود”، يحمل في طياته قابلية عالية للتدحرج خارج نطاق السيطرة .
حيثُ تُشير تقديرات صادرة عن مراكز دراسات أستراتيجية غربية وآسيوية إلى أن الخيار العسكري أتجاه إيران لم يعد يُناقش بأعتباره أداة تغيير شامل ، بل كوسيلة ضغط قصوى لإعادة ضبط قواعد الاشتباك والردع ، بعد أن أثبتت سنوات العقوبات والضغوط السياسية والدعم للأحتجاجات الأخيرة محدودية فعاليتها في تحقيق أختراقات حاسمة .؟
في المقابل ، تؤكد دراسات موازية أن إيران لم تعد تتعامل مع هذا النوع من التهديدات بذهنية الدفاع التقليدي ، بل ضمن مقاربة الردع المُركب التي تجمع بين القدرات العسكرية المباشرة ، والانتشار الإقليمي ، وأدوات الضغط غير المتكافئة .
هذا التوازن الهش يفسر حجم القلق الإقليمي والدولي من أن تتحول أي ضربة مهما كانت محسوبة ، إلى شرارة مواجهة أوسع ، فالتجارب الحديثة من “العراق إلى ليبيا”، ومن “سوريا إلى اليمن” أظهرت أن التدخلات العسكرية غالباً ما تبدأ بأهداف محدودة ، لكنها تنتهي بتفكيك توازنات قائمة ، وفتح مسارات صراع طويلة الأمد لا يمكن التحكم بنتائجها بسهولة ، وهو ما دفع قوى دولية كالصين وروسيا إلى أتخاذ مواقف حازمة ضد أي تدخل خارجي ، ليس دفاعاً عن طرف بعينه بقدر ما هو رفض لمنطق فرض الوقائع بالقوة في نظام دولي بات هشاً ومتشظياً .
بالنسبة لدول المنطقة ، وفي مقدمتها “العراق”، فإن هذا التصعيد يضعها أمام مُعادلة شديدة الحساسية فبحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته السياسية والاقتصادية والأمنية ، لا يملك ترف الانحياز الصِدامي ، ولا قدرة تحمّل تبعات مواجهة إقليمية مفتوحة ، وتشير تقارير صادرة عن مراكز بحث عراقية مستقلة إلى أن أي تصعيد عسكري واسع سيضاعف الضغوط على الاقتصاد الوطني ، ويُهدد الاستقرار الداخلي ، ويعيد فتح ملفات أمنية لم تُغلق بالكامل بعد .
التجربة العراقية خلال العقدين الماضيين تقدم درساً بالغ الأهمية في هذا السياق ، فالدول الخارجة من الأزمات لا تُبنى عبر الاصطفاف في محاور مُتصارعة ، بل عبر ترسيخ مفهوم الدولة المتوازنة ، القادرة على إدارة علاقاتها الخارجية وفق مبدأ المصالح الوطنية العليا ، لا منطق ردود الأفعال أو الاستقطابات الحادة ، وهو ما تؤكد عليه أيضاً تجارب دول مثل “فيتنام و إندونيسيا و جنوب أفريقيا” التي نجحت في تجاوز مراحل صراع وضغط دولي عبر سياسات خارجية هادئة ، وبناء داخلي تراكمي ، قائم على تعزيز المؤسسات ، وتقليل الهشاشة السياسية والاقتصادية .
من هذا المنطلق ، تبدو الحاجة مُلحّة اليوم لخطاب سياسي عراقي أكثر أتزاناً يُدرك خطورة المرحلة ، ويتعامل معها بوصفها أختباراً للدولة ، لا مجرد أزمة عابرة ، فالحكمة السياسية كما تشير أدبيات العلاقات الدولية لا تُقاس بحدة المواقف ، بل بقدرة صانع القرار على تجنيب بلاده كلفة الصراعات ، مع الحفاظ على هامش حركة دبلوماسي فاعل ، ومتوازن ، ومقبول إقليمياً ودولياً .
أخيراً وليس آخراً .. إن ما يجري في محيط العراق ليس شأناً بعيداً أو مُنفصلاً عن مسار بناء الدولة ، فالأزمات الإقليمية الكبرى غالباً ما تكشف هشاشة الداخل ، كما تبرز في الوقت ذاته فرص إعادة التقييم وتصحيح المسار ، والسؤال الجوهري الذي تطرحه هذه اللحظة لا يتعلق فقط بما إذا كانت الضربة ستكون محدودة أو موسعة ، بل بمدى جاهزية دول المنطقة ، والعراق تحديداً ، للتعامل مع عالم يتجه نحو مزيد من عدم اليقين ، وتراجع منطق التسويات السهلة .
نستشف من ذلك بأن المنطقة تبدو واقفة عند تقاطع دقيق بين منطق الردع ومنطق الانفجار ، وما لم تُدار هذه اللحظة بعقل بارد ، ورؤية أستراتيجية بعيدة المدى ، فإن كُلفة الانزلاق ستكون باهظة على الجميع .
أما العراق ، فإن مصلحته الوطنية تقتضي أن يكون صوت العقل ، لا ساحة الرسائل ، وأن يستثمر هذه المرحلة لتعزيز مشروع الدولة ، لا لإعادة إنتاج أزمات أثبت الزمن فشلها …!




