الجمعة - 15 مايو 2026

بل أحياء..الشهيد محمد فليح حسن العگيلي..!

منذ 4 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

انتصار الماهود ||

لم تكن طفولته عادية أبدا، كان طفلاً حين غاب والده ورجلاً قوياً حين أراده الوطن، كَبر ذلك اليتيم قبل أوانه وحمل الحزن والتعب على كتفيه الصغيرتين، لم يشكي يوماً أبدا واصبح الصبر صفة ملازمة له، ما بين حروب وحصار وخوف ورث الحزن والألم والاضطهاد، لكنه لم يرث الذل والانكسار فكان كنخيل العراق شامخاً مهما جار الزمان عليه.

هذا هو بطلنا محمد ..

ولد الشهيد محمد فليح حسن العگيلي في العاصمة الحبيبة بغداد في عام 1982، نشأ يتيم الأب لكنه كان محاطاً بمحبة وخوف واحتوائه أم عظيمة، كانت هي الأم والأب والسند والقوة، علمته تلك السيدة العراقية كيف يكون رجلاً حقيقياً تستطيع الاعتماد عليه.

الظروف المعشية الصعبة والحصار الجائر فرضت عليه أن يترك مقاعد الدراسة بعد المرحلة الابتدائية، من أجل أن يساعد والدته على توفير لقمة العيش، تلك الظروف صقلت شخصيته كثيراً خاصة أنه نشأ في أحياء بغداد شعبية.

الفقر مؤلم ومذل… لا تعلمون ما الذي كنا نعانيه في أيام الحصار، وكأن سيدي ومولاي علي بن ابي طالب عليه السلام يتحدث عن حالنا في قوله 🙁 لو كان الفقر رجلا لقتلته)، تلك مقولة عظيمة من رجل عظيم، كان يستقرئ قباحة الفقر وقسوته، وكان الوضع صعباً قاسياً على محمد الذي تكسرت أحلامه على عتبة الفقر والحاجة، لكنها لم تكسر كرامته وأحلامه بوطن حر تتحسن فيه الظروف يوماً ما.

لكل شيء ثمن، وكان ثمن سقوط الطاغية صدام في عام 2003، هو دخول القوات الأمريكية كمحررة كما تدّعي، بل كمحتلة لهذا الشعب الذي أنهكته الحروب والحصار والظلم الصدامي، وبالطبع هذا الإحتلال المغلف بالديمقراطية لم يعجب الكثير من أبناء العراق الغيارى، الذين قاوموا وجوده من أجل خروج تلك القوات الغازية، فكان محمد أحد الشباب المؤمنين الذين كانوا من اوائل الذين تطوعوا في صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق في عام 2004، وكان ينتظر هذه اللحظات بفارغ الصبر فهو لم يتطوع إلا لهدف واحد، وهو الخلاص من الاحتلال الذي يراه امتداداً للطغيان البعثي الذي رزح تحت ظلاله محمد لسنوات.

كان صوت بكاء الأرامل ودموع الأطفال لا يغادر عقله، وقد رسخت تلك القناعات في داخله بضرور التحرك السريع ومقاومة المحتل ومطاردته، شارك محمداً في عمليات نوعية وكانت معارك النجف الاشرف هي الاختبار الحقيقي للصمود والثبات على المبدأ والعقيدة.

كان من الأشاوس الذين يتقدمون رفاقهم في كل معركة، ليثبت شيء واحد مهم أن الحياة دون حرية لا تساوي شيئا، وما فائدة الديمقراطية إن كانت مقرونة بالاحتلال لذلك لابد من الاستمرار على نهج المقاومة حتى خروج آخر جندي.

في بغداد تحديداً حي أور كانت صبيحة ال 27 من كانون الثاني عام 2007 مختلفة عن كل الصباحات، التي مرت على محمد ها هو يودع والدته ويخرج لتنفيذ عملية نوعية جديدة، ربما يعود وربما لا لقد أستودع الله والدته ليحفظها بحفظه ورعايته، ويخفف حزن قلبها، وكأنه يعلم أن اليوم هو خاتمة حياته هو يعرف أن قلبها المكلوم لا يحتمل حزناً جديداً باستشهاده، (أعنها يا الله فأنت وحدك تعلم بماذا مرت تلك السيدة العظيمة كي تحافظ على اولادها، في وقت صعب وهبها من صبر مولاتي زينب عليها السلام)

الأبطال في ذلك اليوم نفذوا عملية نوعية وكانوا في اشتباك مباشر مع قوات المحتل، قاتل محمد وقاوم حتى آخر لحظة في حياته ليسقط شهيداً.

موت محمد لم يكن ختام الحكاية، بل كان بداية لحكاية عظيمة وعين لن تنام، الجسد سقط برصاص المحتل لتنهض روحه الخالدة وتحرك الهمم.

فسلام على من اختار الموقف وواجه الرصاص بصدر شجاع ليبقى اسمه حياً في ضمير الوطن