حين تتكرر معركة بدر الكبرى في العصر الحديث..!
.
.د. سوزان زين ||

.نشر هذه الشهادة اليوم، لما تحمله من أهمية خاصة في هذا العصر الذي تختلط فيه المفاهيم، ويُعاد فيه تعريف النصر والهزيمة بمعايير مادية بحتة.
.بالفرض المحال كما عبّر آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي لو أن القرآن نزل في هذا العصر، لكانت قضية المقاومة الإسلامية في لبنان من أبرز القضايا التي يُشار إليها للاعتبار، ليس بوصفها حدثاً عسكرياً، بل واقعة قرآنية مكتملة الشروط.
وقد قال سماحة آية الله الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي، في لقاء جمعه بعلماء دين في لبنان بعد انتصار حرب تموز سنة 2006، كلاماً بقي محفوراً في الوجدان:
«هذا الانتصار الذي تحقق عام 2006 هو الانتصار الثاني في تاريخ الإسلام،
الأول: هو معركة بدر الكبرى
والثاني: هو معركة تموز في لبنان
ولو أن معركة تموز وقعت في زمن النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، لقرأناها في القرآن الكريم».
هذا التوصيف لا يصدر عن حماسة عاطفية، بل عن ميزان قرآني دقيق، ينظر إلى النصر من حيث أسبابه لا من حيث زمنه أو عدده.
فكما كانت معركة بدر:
-مواجهة فئة قليلة مؤمنة لعدو متفوّق مادياً، قائمة على الاستغاثة الصادقة بالله،
مشفوعة بالإمداد الغيبي، ومؤسِّسة لتحوّل تاريخي في مسار الإسلام.
كذلك كانت حرب تموز في لبنان:
-مواجهة غير متكافئة بكل المقاييس، سقط فيها الرهان على القوة، وارتفع فيها الرهان على الله وحده، فتجلّت سنن النصر كما عرضها القرآن في سورة الأنفال.
ومن هنا، استحقت تموز أن تكون الانتصار الثاني في الإسلام بعد معركة بدر، لا بالترتيب الزمني، بل بالقيمة القرآنية.
ولم يكتفِ سماحة الشيخ محمد تقي مصباح اليزدي بتوصيف النتيجة، بل حدّد أسباب النصر بوضوح حاسم في هذا اللقاء:
أولًا: الالتجاء إلى الله لا إلى القوة في عام 2006، تبيّن أن ميزان العضلات لا يعمل لصالح المقاومة، فسقط وهم القوة، وصدق الالتجاء إلى الله، وكان هذا الصدق مفتاح النصر.
ثانياً: الالتزام بالتكليف ونهج الولاية والالتزام بخط ولاية الفقيه.
ثالثاً: اجتناب الذنوب
وهنا لبّ المعادلة، فقد أشار سماحة الشيخ إلى أن النصر لم يكن عسكرياً فقط، بل أخلاقياً وروحياً..
بقعة من الأرض لا تصعد منها الذنوب إلى السماء، فتحرّكت السماء لنصرة أهل الأرض، فانتصر أهل الأرض بنصرٍ من عند الله.
لكن معركة تموز لم تكن نهاية المسار، فالقرآن لا يعرض المواجهات الكبرى كأحداث منفصلة بل كسنن متتابعة، ومن هنا يأتي قوله تعالى:
﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ (الإسراء: 5)
معركة تموز كشفت نموذج «عباد لنا»:
قلة مؤمنة، موحّدة القرار، مرتبطة بالولاية، ثابتة على الاستغاثة بالله والثقة به.
أما معركة أُولي البأس سنة 2024، فهي مرحلة متقدمة في المسار نفسه، حيث انتقل هذا النموذج إلى تراكم البأس والخبرة والقدرة على الفعل المؤثر، مع بقاء الأسباب نفسها.
من معركة بدر الكبرى إلى معركة تموز، ومن تموز إلى معركة أُولي البأس عام 2024 في لبنان، يتكشف مسار واحد:
النصر في منطق القرآن ليس فقط لحظة عابرة وتنتهي، بل ثمرة التزام طويل بشروطه.
وحين يصدق الالتجاء إلى الله تعالى، وتُحفظ الولاية تتحرّك السماء، ويصدق الوعد:
﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾.
وعليه، فإن هذه الشروط ليست توصيفاً لمرحلة مضت، ولا قراءة لانتصارٍ منجز فحسب، بل هي زادُنا الفكري والعملي لكل مواجهة مقبلة، فما دام ميزان الصراع تحكمه السنن نفسها، فإن الالتجاء إلى الله، والالتزام بالتكليف، وحضور الولاية، و اجتناب الذنوب، تبقى شروط النصر في كل زمان ومكان.
بهذا الفهم نحمل تجربة معركة بدر الكبرى ودرس تموز، ومعركة أُولي البأس، كمنهج نعيشه ونحتكم إليه في أي معركة تُفرض علينا، ومهما تبدّلت ميادينها وأشكالها.




