من يملك حق الفيتو؟!
علي جاسب الموسوي ||
16/1/2026

يدخل العراق اليوم منعطفا سياسيا دقيقا، ليس لأن تشكيل الحكومات أمر جديد، بل لأن المعركة هذه المرة ليست تقنية ولا إجرائية فحسب، بل معركة على معنى السيادة، وحدود الشرعية، ومعادلة القرار الوطني …
نحن أمام حكومة تصريف أعمال مرهقة وقد أدت إلى استنزاف ميزانية الدولة بقرارت عبثية ، ومشهد سياسي مشحون، وإطار تنسيقي متماسك بنسبة تفوق التسعين بالمئة متفق على ترشيح الأستاذ الحاج نوري المالكي لرئاسة الوزراء … هذا الاتفاق، في ذاته، ليس تفصيلاً عابرا … بل هو رسالة سياسية بأن البيت الشيعي – رغم اختلافاته – قادر على إنتاج قرار داخلي متماسك عندما تستدعي اللحظة ذلك.
في المقابل، برز اعتراض إعلامي واضح من مدوني واعلامي وبعض نواب تيار الحكمة بزعامة السيد عمار الحكيم، قُدم بثوب أنيق من (الحرص) و(الاعتدال) لكنه حمل في طياته إشكاليات عميقة … قيل إن الاعتراض يستند إلى (عدم قبول المرجعية) وهي حجة تبدو – عند التدقيق – أكثر استخداما للمرجعية كغطاء سياسي منها قراءة أمينة لموقفها … فالمرجعية الدينية العليا كانت وما زالت أبوية، ناصحة، حريصة على وحدة البلاد، وقد أكدت مرارا أنها لا تتدخل في تسمية الأشخاص ولا تمنح فيتوات سياسية … ما جرى عام 2014 كان قراءة ظرفية لمصلحة محددة في سياق أمني وسياسي بالغ الخطورة، لا فتوى أبدية بتحريم الأسماء ولا حكما شرعيا معلقا على رقاب الرجال.
السؤال الذي يتهرب منه البعض: من الذي يملك الحق في تحويل رأي إرشادي ظرفي إلى قاعدة دستورية دائمة؟ ومن الذي خول أي طرف سياسي أن يتحدث باسم المرجعية ليصادر خيارات الأكثرية؟ … ولكن يبدوا ان عقدة السيد المالكي ما زالت في نفوس البعض …
عموما هنا تتكشف المفارقة؛ فبينما يُرفع شعار (عدم التسييس)، تُمارس أعلى درجات التسييس باسم القداسة.
ثم تأتي الحجة الثانية: (عدم التوافق الدولي والإقليمي) … وهي حجة أخطر مما تبدو … لأنها، عمليا، تطالب العراقيين بأن يستمدوا شرعيتهم من العواصم لا من صناديقهم ؟؟!، ومن السفارات لا من إرادتهم … أي سابقةٍ هذه التي تريد تكريسها يا مولاي؟ هل صار معيار قبول رئيس وزراء العراق هو رضى الخارج؟ وأي دولةٍ ذات سيادة تقبل أن يكون (التوافق الإقليمي) شرطا مسبقا لحكمها؟ إن إعطاء هذا المسوغ ليس براغماتية، بل تنازل هادئ عن جوهر الدولة.
الاعتراض، حين يُقرأ بهدوء، يبدو كأنه حرص على الاستقرار، لكنه عمليا يفتح الباب لفوضى المعايير: اليوم يُرفض المالكي بحجة المرجعية، وغدا يُرفض غيره بحجة الخارج، وبعد غد يُرفض ثالث بحجة الشارع… فإلى متى يبقى العراق رهين شروط متحركة؟
في المقابل، يقف الإطار التنسيقي ككتلة سياسية واقعية، تدرك تعقيدات الداخل وخشونة الإقليم، لكنها تصر على أن القرار عراقي أولاً وأخيرا … برأيي ؛ دعم ترشيح السيد المالكي ليس مجرد دعم لشخص، بل دعم لمنهجٍ يوازن بين الدولة والمقاومة ؟ بين السيادة والعلاقات الدولية ؟ وبين الاستقرار والعدالة .. هو خيار يقول بوضوح: يمكن للعراق أن يكون منفتحا دون أن يكون تابعا، متحاورا دون أن يكون خاضعا..
إن (الدبلوماسية الناعمة) التي يمارسها تيار الحكمة تبدو جميلة في الشكل، لكنها تخفي ميلا إلى إدارة السياسة بعقلية الوسيط لا بعقلية صاحب القرار .. العراق اليوم لا يحتاج وسطاء بينه وبين نفسه، بل يحتاج بناة دولة قادرين على تحمل المسؤولية كاملة، بلا غطاء خارجي ولا توظيف انتقائي للمرجعية.
ويبقى سؤال مشروع يُطرح بهدوء سياسي رصين: حين يُعلن تيار شيعي مؤثر موقفا بهذا الحجم، فهل ينطلق حقا من قراءة عميقة لمصلحة البلد ولمصلحة تماسك البيت الشيعي، أم أن زاوية النظر تضيق شيئا فشيئا حتى تصبح المصالح الحزبية والشخصية هي البوصلة الخفية؟ إن حماية وحدة المكون لا تكون عبر فرض معايير انتقائية، ولا عبر صناعة فيتوات مبطنة، بل عبر تغليب المصلحة العامة، والاعتراف بخيارات الأكثرية، والابتعاد عن أي خطابٍ قد يوحي – ولو عن غير قصد – بأن الحسابات الضيقة تعلو على حساب العراق (والبيت الشيعي خصوصا).
خلاصة القول … أن المعركة ليست على اسم السيد المالكي بقدر ما هي على سؤال أكبر: هل يحكم العراق إرادته، أم تحكمه حساباتُ الخارج وخطاباتُ المجاملة الداخلية؟
إن لحظة اليوم تتطلب شجاعة سياسية لا لبسا دبلوماسيا، وتماسكا وطنيا لا مراوغة مخملية … ومن هنا يأتي معنى العنوان ( من يملك حق الفيتو؟) — فالعراق ليس ساحة وصاية، لا داخلية ولا خارجية.
والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل.




