الأربعاء - 17 يونيو 2026

الروح تهفو لمنبع النور.. عن زيارة السيدة فيروز للعراق (عام 1975)..!

منذ 5 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

الشيخ مازن الولائي ||

متقمصاً وجدان الزائرة..

سؤال إفتراضي: يا فيروز، لماذا فعلتِ ما فعلتِ؟ ولماذا هذه الوقفة في رحاب النجف وكربلاء؟

الجواب:
يا سائلي، على أي عصبٍ ضغطتَ، وفي أي لحمٍ حيٍّ موجعٍ يدك لكمتَ؟ إنها لم تكن مجرد سفرة، بل كانت إياباً للأحياء، وعوداً للذات حين ظفرتُ. لم تكن جولة فنية، بل كانت “هجرة روحية” نحو منابع النور؛ حيث امتزج صوت “جارة القمر” بقدسية النجف وكربلاء، في لقاءٍ فريد بين ترانيم السماء وخشوع الأرض. هناك، وجدت نفسي “الماورائية” الضائعة التي لم تهتدِ إلا عند من تهفو إليه الضائعات، ومن شطت بهم الرياح العاتيات.

وجدتُ في صوتي “الملائكي” – كما يشاء البعض نعتَه – لزاماً عليه أن ينخفض، وأن يعترف بأن قباب علي ومآذن ضريحه كافيةٌ بلمسها لتكون تطهيراً وتعميداً لجوانحي المغرمة بمنارةٍ أكبر من العقائد وإن تعددت.

أما تراب كربلاء، وعظيم قدس لمعانه، فعندما وطأت قدماي أرضه، لم أكن وقتها مجرد فنانة تزور مقاماً، بل كنت نفساً تبحث عن السكينة في محراب الوجود. مسيحيةٌ أنا، نعم، ولكن في فناء الإسلام حملت صليب الكلمة والموقف. في تلك اللحظة الفارقة، غاب الصخب الفني وحضر الخشوع الرهيب؛ وقفت بوشاحي البسيط، ألملم نظراتي خلف جدرانٍ قرأت فيها تاريخاً من الزهد والعدالة.
بقيت صامتة طويلاً، كأني أسمع أصداء ما في خيال ذاكرتي وهي تتذوق ما مرّ من “نهج البلاغة”، حيث تقف الأقلام المسيحية عنده بالتكبير والإطراء. جورج جرداغ بولص سلامة سليمان كناني وغيرهم؛ في تلك اللحظة، لم تعد هناك مسافة بين “ترنيمة الكنيسة” و”أذان المسجد”؛ فالحق واحد، والجمال الذي تحمله حنجرتي سجد لجمال الله المتجلي في ذلك المقام.

لقد رأيت تجسيداً لآلام المسيح في طفّ كربلاء. غنيتُ في مساحاتٍ ليست بالقليلة تعظيماً وتبجيلاً، إلا أنني وجدت في ضريح الحسين “أيقونة” العشق الإلهي الأسمى، بل “التراجيديا الروحية” المحال إنكارها بالحس والشعور. هناك، تلاشت الألقاب والمذاهب، وبقيتُ “قلباً وعباءة وروحاً” تبحث عن طهرها في بحر التضحيات.

إنها صلاة الإيماء العابرة للأديان والطوائف والبلدان والإثنيات واللغات.
“ذهبت فيروز وعدتُ ‘فيروزة’.. لامست حنجرتها تراب الطفوف، لتحمل في صوتها بحّةً من حزن الحسين، ونوراً من بصيرة علي.”

٢٤ رجب ١٤٤٧هجري.
٢٤ دى ١٤٠٤ش
٢٠٢٦/١/١٦م

“البصيرة هي ان لا تصبح سهمًا بيد قاتل الحسين يُسَدَّد على دولة الفقيه”
مقال آخر دمتم بنصر قادم .. https://t.me/mazinalwalae

Telegram (https://t.me/mazinalwalae)