إيران ومعادلات الردع: حين تُقاس القوة بالعقل لا بالضجيج..!
طه حسن الأركوازي ||

في لحظات التصعيد الإقليمي تزداد الحاجة إلى خطاب عقلاني يتجاوز الأنفعالات والأحكام المُسبقة ، ويبتعد عن منطق الحُب والكراهية الذي كثيراً ما يطغى على قراءة الوقائع السياسية في الشرق الأوسط ، فالنقاش الجاد حول أدوار الدول وسلوكها لا يُبنى على الأنتماءات أو الاصطفافات العاطفية ، بل على التحليل الهادئ للمعطيات ، وفهم السياقات ، وتقدير موازين القوة بعيداً عن التهويل أو الاستخفاف .
في هذا الإطار ، يبرز المشهد الإيراني بوصفه أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة ، فالتوتر المُحيط بإيران لا يرتبط بسلوكها السياسي وحده ، بل يتداخل فيه عامل تاريخي وثقافي ومذهبي أسهم في تشكيل صورة ذهنية سلبية لدى قطاعات واسعة من المُجتمعات العربية والإسلامية وتم تغذيته ليصل الى باقي العالم ، هذا الحقد هو نتيجة أنتمائها إلى المذهب “الاثني عشري”، وهو عامل لا يمكن فصله عن طبيعة الصراع الإقليمي الراهن ، وتجربة العراق نفسها خلال العقود الماضية تعكس بوضوح كيف يمكن لهذا العامل أن يتحول إلى أداة أستقطاب وصراع ، تتجاوز حدود السياسة إلى بنية المجتمع والدولة .
ومع إعلان وزير الخارجية الإيراني “عباس عراقجي” عودة الهدوء الداخلي ، وأنتهاء موجة الاحتجاجات الأخيرة ، تزامناً مع تصاعد اللهجة السياسية والأمنية بين “طهران و واشنطن”، عاد ملف “القدرة الإيرانية” إلى الواجهة ، وتشير قراءات صادرة عن مراكز دراسات إقليمية ودولية إلى أن الاحتجاجات رغم أتساعها في مرحلة معينة ، لم تُفضِ إلى خلخلة بنيوية في النظام السياسي الإيراني ، بل شكّلت أختباراً داخلياً قاسياً أستطاعت الدولة أحتواءه عبر مزيج من الأستيعاب السياسي الذكي والضبط الأمني ، مع الحرص على عدم أنهيار الإطار المؤسسي .
وتُظهر هذه القراءات أن الاحتجاجات بدأت بطابع مطلبي أجتماعي وأقتصادي ، قبل أن تشهد تحوّلاً في مسارها مع دخول أطراف مدسوسة ومُنظمة أستثمرت حالة الغضب ، ما دفع الدولة إلى إعادة تعريف المشهد بأعتباره تهديداً للأمن القومي الأيراني ، وبغض النظر عن الموقف من هذه المُقاربة ، فإن النتيجة النهائية وفق الوقائع الميدانية ، تمثّلت في أستعادة الدولة لزمام السيطرة دون الأنزلاق إلى سيناريو الفوضى الشاملة التي شهدتها دول أخرى في الإقليم .
غير أن البُعد الأهم في المشهد لا يتوقف عند الداخل الإيراني ، بل يمتد إلى البيئة الإقليمية ، حيث تتقاطع الأزمات الداخلية مع صراعات النفوذ الدولية ، فالتصريحات الإيرانية المُتكررة بشأن أستهداف القواعد الأميركية في حال أي أعتداء ، تُقرأ في معظم الدراسات الاستراتيجية بوصفها جُزءاً من مُعادلة “ردع متبادل” ، أكثر منها مُؤشراً على نية الذهاب إلى حرب مفتوحة ، فالتجارب التاريخية تؤكد أن القوى الإقليمية الكبرى غالباً ما تسعى إلى إدارة الصراع ضمن حدود محسوبة ، تفادياً لكُلف عسكرية وأقتصادية لا يمكن السيطرة عليها .
ويتضح هذا المنطق بصورة أكبر عند النظر إلى التوتر “الإيراني – الإسرائيلي” ، فبعيداً عن الخطاب الإعلامي ، تكشف تقارير عسكرية وأستراتيجية أن ميزان القوة بين الطرفين مُعقد ومُتداخل ، حيث يمتلك كُل طرف أدوات ردع مُختلفة ، فقد راكمت إيران خلال السنوات الماضية قدرات عسكرية نوعية لا سيما في مجالات “الصواريخ والدفاع الجوي والحرب غير المتماثلة” ، وهو ما يمنحها قدرة على فرض كُلفة مُرتفعة على أي مواجهة محتملة دون أن يعني ذلك أمتلاك تفوق حاسم أو السعي إلى حرب شاملة .
وفي هذا السياق ، يمكن فهم التصريحات الصادرة عن قادة عسكريين إيرانيين بشأن تطور القدرات بعد جولات التصعيد الأخيرة بوصفها رسائل ردع محسوبة ، تهدف إلى تثبيت معادلة توازن ، لا إلى كسرها ، فالهدوء الإيراني الظاهر لا يعكس بالضرورة ضُعفاً أو تراجعاً ، بقدر ما يعكس نمطاً من البراغماتية السياسية القائمة على الصبر الاستراتيجي وإدارة الوقت ، وهي مقاربة أعتمدتها دول عديدة نجحت لاحقاً في تجاوز أزماتها ، كما في تجارب دول خرجت من حروب طويلة أو صراعات داخلية عميقة .
ومن زاوية عراقية ، تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة ، فالعراق ، بحكم موقعه الجغرافي وتشابك علاقاته الإقليمية ، يتأثر مباشرة بأي تصعيد أو تهدئة في محيطه ، وتشير دراسات عراقية مُتخصصة إلى أن الدولة العراقية دفعت أثماناً باهظة نتيجة غياب الرؤية والاستراتيجية الواضحة ، والانخراط غير المحسوب في صراعات الآخرين ، بدل أعتماد سياسة توازن عقلانية تحمي السيادة وتقلل الخسائر .
وتُظهر تجارب دول عديدة خرجت من أزمات مُعقدة أن بناء الدولة لا يتحقق عبر الشعارات أو الرهانات الخارجية ، بل من خلال تعزيز المؤسسات ، وضبط القرار السياسي ، وتقديم المصلحة الوطنية على الحسابات الضيقة ، وهذا الدرس يبدو أكثر إلحاحاً اليوم بالنسبة للعراق ، في ظل بيئة إقليمية مُتغيرة ، تتطلب خطاباً هادئاً ، وقرارات محسوبة ، وقدرة على قراءة موازين القوة بواقعية ومسؤولية .
وعليه ، فإن النصيحة الأهم التي تفرضها هذه المرحلة على الطبقة السياسية العراقية هي ضرورة التعامل مع التحولات الإقليمية بعقل الدولة لا بعقل الأزمة ، فالاستهانة بقوة أي طرف إقليمي أو المبالغة في تقديرها ، كلاهما خطأ استراتيجي .
أخيراً وليس آخراً .. إن ما يحتاجه قادة العراق اليوم هو فهم دقيق لمعادلات الردع ، وبناء سياسة خارجية مُتوازنة تحميه من تداعيات الصراعات ، وتُخرجه من موقع الساحة المفتوحة إلى موقع الفاعل المتزن .
في المحصلة ، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة إعادة تموضع لا نحو حروب كاسحة ، ومن ينجح في هذه المرحلة هو من يُحسن إدارة التوازن ، ويُقدم العقل على الانفعال ، والدولة على الاصطفاف ، وهو درس لا يزال العراق بأمسّ الحاجة إلى أستيعابه والعمل بموجبه …!




