الشرق الأوسط يقف على حافة الحرب.. أهُوَ تصعيدٌ محسوب أم انفجارٌ مؤجَّل؟!
د. إسماعيل النجار ||

.تعيش منطقة الشرق الأوسط واحدة من أخطر مراحلها منذ سنوات، حيث تتقاطع فيها التهديدات الأميركية الإسرائيلية مع الردع الإيراني في مشهدٍ يبدو أقرب إلى حافة الحرب منه إلى الحرب نفسها. فالتصعيد القائم، على حدَّته، لا يزال مضبوط الإيقاع أميركياً، تحكمه حسابات التَكلُفة الباهظة والردع أكثر مما تحكمه فعلياً رغبة أميركية حقيقية في الإنفجار الشامل.
.بدايةً سأنطلِق من الرؤية الغربية التي تمارس الضغط بلا قرار حرب، في الوقت الذي تنظر فيه واشنطن وتل أبيب إلى إيران بوصفها الفاعل الإقليمي الأقدر على تغيير قواعد الاشتباك. إلا أن التهديدات العسكرية المتداولة والتي يطلقها ترامب نفسه لا ترقىَ حتى الآن إلى مستوى قرار بإعلان الحرب وهو غير مقتنع بذلك، فقط يستخدمها كأداة ضغط قصوى لفرض ثلاثة أهداف مركزية على إيران،
.أولاً كبح التقدم النووي الإيراني،
.وتقليص النفوذ الإقليمي لها في ساحات عدة، وتعديل سلوكها التفاوضي أي إجبارها على تقديم التنازلات.
.ويعود سبب التصعيد الأميركي إلى قناعة إسرائيلية متزايدة بأن نافذة منع إيران من امتلاك قدرة نووية عسكرية تضيق زمنياً، مقابل فشل سياسات الردع الهادئ. أما واشنطن تختلف معها وترفض مُجاراتها في طلبها توجيه ضربة عسكرية وإعلان حرب على النظام الإيراني، لأنها ترغب في إبقاء خيار القوة حاضراً دون الإنزلاق إلى حربٍ شاملة لا تخدم مصالحها الانتخابية ولا استقرار الأسواق.
.لكن المخاوف الغربية الحقيقية تقول أن توجيه أي ضربة عسكرية لإيران لن تكون “نظيفة” أو محدودة، إذ سيطال الرد الإيراني القواعد الأميركية والممرات البحرية الحيوية، مع انعكاسات مباشرة على الاقتصاد العالمي والطاقة. لذلك، يكثر التهديد الأميركي أكثر مما يُحتمل التنفيذ.
ثانياً؛ نحنُ نرى الرؤية الإيرانية صحيحة ونؤكد للعالم بأن ردعها منوط بالمصداقية السياسية،
في المقابل، طهران تتعامل مع التهديدات باعتبارها جزءاً من حرب نفسية واستنزاف سياسي لها، إذ لا قراراً فعلياً بالحرب الشاملة حتى الآن. غير أن إيران لا تستطيع إظهار أي تراجع، لأن جوهر ردعها يقوم على المصداقية. من هنا جاءت نبرة الرد الإيراني الحادة لتثبيت معادلة واضحة في حال حصول أي اعتداء على البلاد بأنه سيفتح باب الحرب الإقليمية الواسعه، مع تحميل دول الجوار كلفة السماح باستخدام أراضيها أو أجوائها. الرسالة الأساسية أن المواجهة لن تكون ثنائية بين إيران وإسرائيل، بل انفجاراً جغرافياً واسع النطاق.
.ومع أن إيران لا تسعى إلى الحرب، إلا أنها بَنَت عقيدتها العسكرية على امتصاص الضربة الأولى ثم الرد المتدرج والمؤلم، بما يحافظ على زمام المبادرة دون التهور.
ثالثاً؛ بعض التقديرات الدولية المحايدة تتحدث عن تصعيد عسكري أميركي مضبوط بحكمة ودقة لا يؤدي إلى الإنزلاق نحو حربٍ شاملة ومُدَمِرة؟ إذ تُجمِع غالبية مراكز الأبحاث والخبراء العسكريين إلى أن احتمال الحرب الشاملة في المدى القريب ضعيف جداً، في مقابل ترجيح تصعيد مضبوط والوقوف على حافة اشتباك خطرة. فكلفة الحرب تفوق مكاسبها لدى كل الأطراف، فلا واشنطن ترغب في ذلك ولا طهران كذلك لا ترغبان في فقدان السيطرة وانهيار الأسواق.
.أما إسرائيل، هي التي تمارسُ ضغوطات عالية السقف على واشنطن، لكنها في الوقت نفسه تدرك محدودية قدرتها على خوض حرب بهذا الحجم منفردة. فالسيناريو الأرجح يتمثل في استمرار التهديدات، والعمليات غير المباشرة، والرسائل العسكرية المحدودة، مع خطر دائم يتمثل في ضربة شديدة المحدودية أو حادث أمني غير محسوب قد يشعل سلسلة ردود إيرانية عنيفة.
رابعاً؛ لبنان ودور حزب الله في هذه المعمعَة يبقى الورقة الأخيرة في مِحوَر المقاومة، ولبنان اليوم لا يُعتبر نقطة البداية في أي مواجهة محتملة، لكنه قد يتحول إلى إحدى ساحاتها إذا وقعت مواجهة واسعة ومباشرة مع إيران وقررت طهران الانتقال من الردع الإقليمي إلى الرد الاستراتيجي الشامل. فَ دور حزب الله في هذا السياق يُقرأ بدقة عسكرية وسياسية بالغة التعقيد؟
عسكرياً؛ يُتوقع انخراط الحزب في أي حرب تقليدية شاملة، وغير ذلك سيعتمد نمط الضغط العسكري المحسوب، وإرسال رسائل ردعية، وفتح جبهة لبنان بحدود مدروسة تحافظ على سقف الاشتباك.
.أما سياسياً؛ الحزب يوازن بين التزامه بمعادلات الردع الإقليمي وبين إدراكه للهشاشة الداخلية اللبنانية وكلفة أي انفجار شامل. لذلك من الناحية الإستراتيجية يُستخدم الحزب الحضور العسكري كعامل توازن وردع، لا كأداة مبادرة، مع ترك هامش واسع لاحتواء التصعيد. إن ما يمنع انفجار الوضع الداخلي في لبنان حتى الآن هو مزيج من الإنهاك الداخلي، والحسابات الدولية، وقناعة عامة بأن إنهياره الكامل سينتج فوضى غير قابلة للإحتواء.
بيروت في،، 15/1/2026




