الخميس - 14 مايو 2026

بين الردع والاحتواء : قراءة هادئة في مسارات التوتر الإقليمي وأنعكاساته .؟

منذ 4 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

طه حسن الأركوازي ||

يشهد الشرق الأوسط مرحلة دقيقة تتقاطع فيها التهديدات المُعلنة مع حسابات الردع غير المُعلنة ، في مشهد يعكس هشاشة الاستقرار الإقليمي ، وتعقيد توازنات القوة بين الفاعلين الدوليين والإقليميين ، فالتصريحات المُتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة ، وإيران من جهة أخرى ، لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الأوسع الذي تعيشه المنطقة حيث تتداخل الملفات النووية والصاروخية مع الاحتجاجات الداخلية المودجلة ، والتحولات السياسية ، والضغوط الاقتصادية في بيئة شديدة القابلية للاشتعال .

التصعيد الأخير في الخطاب السياسي والعسكري ، وما رافقه من تحذيرات وتهديدات ، يعكس عودة واضحة إلى سياسة “حافة الهاوية” وهي سياسة لطالما حذرت منها مراكز الدراسات الاستراتيجية في المنطقة والعالم لما تحمله من مخاطر سوء التقدير والانزلاق غير المقصود نحو مواجهة واسعة ، فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط يثبت أن الحروب الكُبرى نادراً ما تبدأ بقرار مُباشر ، بل غالباً ما تنشأ من تراكم أخطاء صغيرة ، ورسائل مُلتبسة ، وردود فعل غير محسوبة .

في هذا الإطار ، ترى دراسات صادرة عن مراكز أبحاث دولية مُختصة بالأمن الإقليمي أن إيران رغم لهجتها الحازمة ، لا تسعى في هذه المرحلة إلى مواجهة شاملة ، بقدر ما تعمل على تثبيت مُعادلة ردع تحمي مصالحها الاستراتيجية ، وتمنع فرض وقائع جديدة عليها بالقوة .

في المقابل ، تنظر الولايات المتحدة وإسرائيل إلى القدرات الصاروخية الإيرانية بوصفها عاملاً مُقلقاً ، ليس فقط من زاوية التهديد العسكري المُباشر ، بل لما تحمله من تأثيرات على ميزان القوى الإقليمي ، وعلى أمن الحُلفاء ، ومسارات التفاوض المُحتملة .

لكن اللافت في المشهد الحالي أن التصعيد يجري في ظل غياب قنوات تواصل فعّالة ومُستقرة ، وهي نقطة حذرت منها مراراً تقارير مراكز الدراسات الدبلوماسية ، التي ترى أن أنعدام الثقة ، وغياب آليات إدارة الأزمات ، يُزيدان من أحتمالات التصادم ، حتى في حال عدم وجود نية مُسبقة للحرب ، فكل طرف يقرأ خطوات الطرف الآخر من زاوية أمنه القومي ، ما يفتح الباب أمام تفسيرات مُتشددة قد تتحول سريعاً إلى قرارات ميدانية .

وفي هذا السياق ، تبرز أهمية قراءة التجارب الدولية لدول خرجت من أزمات مُشابهة ، سواء في شرق آسيا أو أميركا اللاتينية أو حتى أوروبا الشرقية ، هذه التجارب تشير بوضوح إلى أن الدول التي نجحت في تجنب الانزلاق إلى حُروب مُدمرة هي تلك التي أعادت ترتيب أولوياتها ، وركّزت على بناء مؤسسات الدولة ، وتعزيز الشرعية الداخلية ، وتحقيق حد أدنى من التوافق الوطني ، بما يقلل من قابلية المجتمع والدولة للاختراق الخارجي .

بالنسبة للعراق ، الذي يقف جغرافياً وسياسياً في قلب هذه التوترات ، فإن خطورة المرحلة لا تكمن فقط في أحتمال أندلاع صراع إقليمي ، بل في تداعياته غير المُباشرة على أمنه الداخلي ، وأقتصاده ، وأستقراره الاجتماعي ، فالتجربة العراقية منذ عام 2003 أثبتت أن أي توتر إقليمي سرعان ما ينعكس على الداخل ، سواء عبر الضغوط الاقتصادية ، أو الاستقطاب السياسي ، أو تحوّل الأرض العراقية إلى ساحة رسائل مُتبادلة بين أطراف أكبر .

تشير دراسات مُستقلة إلى أن تحصين الدولة العراقية لا يتحقق بالشعارات ولا بالاصطفافات ، بل ببناء سياسة خارجية مُتوازنة ، تقوم على مبدأ النأي بالنفس عن الصراعات ، مع الحفاظ على علاقات عقلانية مع جميع الأطراف أنطلاقاً من المصلحة الوطنية العُليا ، كما تؤكد هذه الدراسات أن الاستقرار الداخلي ، وتعزيز الثقة بين المواطن والدولة ، يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة أي تداعيات إقليمية محتملة .

ومن هنا ، فإن اللحظة الراهنة تفرض على الطبقة السياسية العراقية قراءة المشهد الإقليمي بعين الدولة لا بعين المحاور ، وبمنطق المصلحة طويلة الأمد لا المكاسب الظرفية ، فالدول التي خرجت من دوامة الأزمات ، لم تفعل ذلك عبر الرهان على صراعات الآخرين ، بل عبر الاستثمار في الاستقرار ، وبناء الاقتصاد ، وتعزيز القانون ، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة الجامعة .

إن أحتمالات الحرب في الشرق الأوسط رغم أرتفاع منسوب التوتر ، لا تزال محكومة بعوامل الردع والكلفة العالية ، وهو ما يدفع العديد من مراكز الدراسات إلى ترجيح سيناريو الضغوط المُتبادلة والتصعيد المحسوب ، بدلاً من المواجهة الشاملة ، غير أن هذا لا يقلل من خطورة المرحلة ، ولا يعفي دول المنطقة ، وفي مقدمتها العراق ، من مسؤولية الاستعداد السياسي والدبلوماسي ، وتحصين الجبهة الداخلية، وتغليب خطاب العقل والحكمة .

أخيراً وليس آخراً .. يثبت تاريخ الأزمات أن الدول التي تنجو هي تلك التي تحسن قراءة اللحظة ، وتستثمر في الدولة لا في الصراع ، وتدرك أن بناء السلام الداخلي هو الشرط الأول لتفادي كُلفة الحروب الخارجية ، وهي رسالة هادئة لكنها ضرورية في وقت تبدو فيه المنطقة بأمسّ الحاجة إلى منطق التهدئة ، والحوار ، وبناء التوازن ، بدلاً من الانجراف نحو المجهول …!