الخميس - 14 مايو 2026

إذا سألت مَن هُم الشيعة؟ يأتيك الرَد الشيعة تاريخ الدم والولاية من سقيفة الإقصاء إلى فلسطين المقاومة؟

منذ 4 أشهر
الخميس - 14 مايو 2026

د. إسماعيل النجار ||

إذا سألت مَن هُم الشيعة؟
يأتيك الرَد الشيعة تاريخ الدم والولاية
من سقيفة الإقصاء إلى فلسطين المقاومة؟

منذ اللحظة التي وقف فيها الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام إلى جانب ابن عمّه رسول الله محمد ﷺ، تشكّل مسارٌ أخلاقي وسياسي واضح نصرة الحق ولو قلّ أنصاره، وحمل أمانة الرسالة بلا مساومة.

هذا المسار لم يكن تفصيلاً في التاريخ الإسلامي، بل كان جوهر الصراع الذي تَشكّل لاحقًا بين من أراد الدين قيمةً حاكمة، ومن أراده أداة حكم.

1). سقيفة الإقصاء (11 هـ / 632 م)
بعد رحيل النبي ﷺ مباشرة، فُتح جرحٌ تأسيسي في جسد الأمة. ففي سقيفة بني ساعدة (11 هـ)، جرى تجاوز مبدأ الولاية الذي تمّ تأكيده في غدير خم (18 ذو الحجة 10 هـ)، حيث قال النبي ﷺ: «مَن كنت مولاه فهذا عليٌ مولاه». منذ تلك اللحظة، لم يكن الخلاف إداريًا بقدر ما كان تحويلًا لمسار السلطة عن قيمها المرجعية.

2).. الإمام علي العدل المُحاصَر (35–40 هـ / 656–661 م)
تسلّم الخلافة في ظرفٍ بالغ الإضطراب، فاختار العدل الصارم على حساب الترضيات السياسية.
خاض من أجل فرض العدالة الإجتماعية والمساواة حرب الجمل سنة (36 هـ)، ومعركة صفّين (37 هـ)، وواجه الخوارج في النهروان سنة (38 هـ). فاغتيل في 19 رمضان سنة 40 هـ، ليغيب صوت الحق والعدل، لا بفعل ضعفٍ فيه، بل لأن العدل كان أثقل من أن تتحمّله بنية السلطة آنذاك.

3)… خلفهُ ولدهُ الإمام الحسن(ع)  ووقع مع اللعين معاوية بن أبي سفيان صُلح الدم المحقون (41–50 هـ / 661–670 م)
اختار الإمام الحسن عليه السلام الصلح عام 41 هـ لحقن دماء المسلمين بعد أن تآكلت جبهة الحق بالخديعة والشراء السياسي. لكنه دُفع ثمنًا لموقفه، فاستُشهد مسمومًا عام 50 هـ. وكان الصلح موقف قوة أخلاقية منه، لا تنازلًا عن الحق.

4)…. وقعَة كربلاء حين انكشف الزيف (61 هـ / 680 م)
في 10 محرم 61 هـ، قُتل الإمام الحسين عليه السلام في كربلاء مع أهل بيته وأنصاره. لم تكن الواقعة معركة عسكرية، بل محاكمة تاريخية للشرعية. منذ كربلاء، صار الدم ميزاناً يفضح السلطة حين تتزيا بالدين.

5)…..سلسلة الاغتيال السياسي للأئمة (61–260 هـ)
توالى استهداف أئمة أهل البيت عليهم السلام، الإمام زين العابدين (ت 95 هـ) عاش تحت الرقابة.
الإمام محمد الباقر (ت 114 هـ) قُمِع علمه.
الإمام جعفر الصادق (ت 148 هـ) حوصرت مدرسته.
الإمام الكاظم (ت 183 هـ) سُجن حتى الاستشهاد.
الإمام الرضا (ت 203 هـ) قُتل بالسم.
الإمام الجواد (ت 220 هـ)، الهادي (ت 254 هـ)، العسكري (ت 260 هـ) بين مراقبة وتصفية. كانت هذه السلسلة اغتيالاً منهجياً للمرجعية الأخلاقية.

6)…… شيعة علي بن أبي طالب عليه السلام  من المطاردة إلى المقاومة عبر (القرون 1–10 هـ)
لم يكن الانتماء لآل البيت يومًا بطاقة امتياز، بل تذكرة مطاردة وسجون، مصادرات، قتل على الهوية. ومع ذلك، حافظ الشيعة على مدارس العلم والفقه والأخلاق، وأسّسوا لثقافة الاعتراض الواعي على الظلم.

7) بين الدولة العثمانية والاستعمار (القرنان 16–20 م)
رغم فترات القمع والتهميش، لم يتحوّل الشيعة إلى أدوات استعمار. شاركوا في مقاومة الاحتلال البريطاني والفرنسي في العراق وبلاد الشام، وسجّلوا حضورًا وطنياً حين غاب كثيرون أو تواطؤوا.

8) فلسطين كانت  الاختبار المستمر (من عام 1948 حتى اليوم)
منذ النكبة 1948، تعامل الشيعة مع فلسطين بوصفها قضية حق لا صفقة. دعمٌ سياسي وعسكري ومالي، وتراكمٌ تضحيات لم ينقطع. لم تكن فلسطين شعارًا موسمياً، بل بوصلة أخلاقية. وفي زمن التطبيع، ازداد وضوح الخط الفاصل بين من قاوم ومن سوّق للهزيمة.

.ساحات الإسناد والتضحية المباشرة
في لبنان منذ الثمانينيات، حيث تحوّل الجنوب اللبناني إلى خط تماسٍ مباشر مع الاحتلال. قدّم الشيعة خلالها آلاف الشهداء في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، وصولاً إلى التحرير عام 2000، ثم في حرب تموز 2006 حيث ثُبّتت معادلة الردع دفاعاً عن فلسطين ولبنان معاً.

.أيضاً سوريا شكّلت ساحة استنزاف كبرى للمشروع الإسرائيلي التكفيري. حيث قدّم الشيعة آلاف الشهداء دفاعاً عن محور الإسناد لفلسطين، ومنع سقوط الجغرافيا السورية بيد الجماعات التي قطعت طريق القدس وحوّلت السلاح إلى صدور المدنيين.
.العراق  بعد 2003، ثم مع اجتياح داعش (2014)، دفع الشيعة في العراق عشرات الآلاف من الشهداء والجرحى دفاعًا عن الدولة والمقدسات، وفي الوقت نفسه حفاظاً على عمقٍ استراتيجي لا غنى عنه لفلسطين. كان سقوط العراق يعني عزل فلسطين، ومنع الإسناد عنها.
إيران الخميني منذ انتصار الثورة الإسلامية عام (1979)، وُضعت فلسطين في صلب العقيدة السياسية. دعمٌ ثابت، وحصارٌ مُكلف، واغتيالات لقادة وعلماء، وثمنٌ دُفع بالدم والاقتصاد دفاعاً عن قضية لم تكن يوماً ورقة مساومة.

.حين تُجمع ساحات لبنان وسوريا والعراق وإيران، فإن أعداد الشهداء بالآلاف المؤكَّدة، والجرحى بعشرات الآلاف، في مسارٍ واحد عنوانه منع تصفية فلسطين، وكسر التفوّق الإسرائيلي، وإبقاء القضية حيّة بالفعل لا بالبيانات.

9) أما داعش العدو الذي لم يُطلق رصاصة واحدة على إسرائيل
شكّلت ظاهرة تدميرية استهدفت الشيعة أولًا، ودمّرت مدناً بأكملها في العراق وسوريا، وارتكبت مجازر بحق المدنيين، من دون أن تُسجَّل لها مواجهة واحدة مع الاحتلال الإسرائيلي. كان سلاحها موجّهاً للداخل، ومشروعها قائماً على تمزيق المجتمعات، وقطع طريق المقاومة، وتصفية كل من جعل فلسطين أولوية.

10) قادة سقطوا والراية مستمرة في (القرن 21)
.قدّم الشيعة قادة ورموزاً وشهداء في مواجهة الاحتلال والإرهاب، وخسروا أسماءً كبيرة، لكن الخسارة لم تُسقط الراية. فالثقافة التي ترى في الشهادة استمراراً للرسالة لا تعرف الانكسار.
.ليس تاريخ الشيعة تاريخ شكوى، بل تاريخ مواجهة. لم يختاروا طريق الكلفة العالية عبثاً، بل لأنهم رأوا في الانحياز للحق واجباً غير قابل للتفاوض. من يُزايد اليوم على هذا التاريخ، يتجاهل قروناً من الدم والصبر، ويتعامىَ عن حقيقة ثابتة أن من دفع الثمن الأكبر، كان الأصدق التزاماً.

.الشيعة بقوا حيث يكون الحق، ولو قلّ أهله، وبقيت فلسطين معياراً يفرز المواقف. هذا تاريخٌ موثّق بالأسماء والتواريخ، لا تُلغيه حملات تشويه، ولا تُضعفه لغة الاتهام. إنه تاريخ ولايةٍ لم تنكسر، ومقاومةٍ لم تُساوِم.

إخجلوا يا مَن تآمرتُم على فلسطين.

بيروت في،،  14/1/2026