إيران بين ضغط الخارج وحسابات الداخل وأنعكاساته على العراق : المنطقة على حافة الاختبار .؟
طه حسن الأركوازي ||

تدخل منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية تتكثف فيها المؤشرات السياسية والأمنية ، وتتشابك فيها حسابات القوة والردع على نحو يجعل أي تقدير خاطئ كفيلاً بإشعال مواجهة تتجاوز حدود دولة بعينها ، وفي قلب هذا المشهد المتوتر ، تبرز “إيران” بوصفها محوراً لتفاعلات إقليمية ودولية مُتراكمة ، تتقاطع فيها الاحتجاجات الداخلية ، والضغوط الاقتصادية ، والتلويحات العسكرية ، في لحظة إقليمية لا تحتمل الانفجار .
التصريحات المتبادلة بين طهران وواشنطن وتل أبيب ، وما رافقها من رفع درجات التأهب ، وإجلاء دبلوماسي محدود ، وتكثيف الاتصالات الأمنية ، لا يمكن قراءتها بمعزل عن سياق أوسع يتمثل في إدارة الصراع دون الانزلاق إلى حرب شاملة ، مع إبقاء خيار القوة حاضراً كأداة ضغط سياسية ونفسية ، فالتجارب السابقة في المنطقة ، من “العراق” إلى “سوريا” و”لبنان” أظهرت أن التلويح بالضربة لا يعني دائماً تنفيذها ، لكنه في الوقت نفسه هو ليس مُجرد خطاب عابر .؟
تشير تقارير صادرة عن مراكز دراسات إقليمية ودولية إلى أن أي مُواجهة مُحتملة مع إيران إن وقعت ، ستكون هذه المره مُختلفة في طبيعتها عن الحروب التقليدية ، فالسيناريو الأرجح وفق هذه التقديرات لا يتجه نحو أجتياح شامل أو حرب مفتوحة ، بل إلى عمليات محدودة ، أو ضربات نوعية ، أو تصعيد غير مُباشر عبر ساحات متعددة . هذا النمط من الصراع الذي بات مألوفاً في السنوات الأخيرة يعتمد على أستنزاف الخصم ، وإرباك بيئته الداخلية ، دون تحمل كُلفة الحرب الكاملة .
في المقابل ، تدرك إيران أن أي رد غير محسوب قد يفتح الباب أمام سلسلة من التفاعلات يصعب أحتواؤها ، ليس فقط على مستوى أمنها الداخلي ، بل على مستوى توازناتها الإقليمية ، ولهذا فإن خطاب الردع الإيراني رغم حدته الظاهرة يندرج في إطار بناء معادلة ردع نفسية وسياسية ، أكثر من كونه إعلاناً عن نية فورية للاشتباك ، التجربة الإيرانية في إدارة الأزمات كما تشير دراسات مراكز أبحاث مُتخصصة إنها تقوم على أمتصاص الصدمة الأولى ، ثم إعادة التموضع مع ترك هامش واسع للمناورة السياسية .
القلق الحقيقي لا يكمن فقط في طبيعة الرد الإيراني ، بل في التداعيات الإقليمية غير المُباشرة لأي تصعيد ، فدول المنطقة بما فيها العراق ستكون معنية بالنتائج ، سواء أرادت ذلك أم لا ، فالعراق بحكم موقعه الجغرافي ، وتركيبته السياسية ، وتشابك علاقاته الإقليمية يبقى من أكثر الدول عرضة لتأثيرات الصراعات المحيطة به وقد أثبتت التجربة العراقية منذ عام 2003 أن هشاشة التوازن الداخلي تجعل البلاد ساحة لتصفية الرسائل الإقليمية والدولية كُلما غاب القرار الوطني الموحد .
تشير دراسات عراقية صادرة عن مراكز بحثية مُستقلة إلى أن أخطر ما يمكن أن يواجهه العراق في مثل هذه اللحظات هو الانجرار إلى سياسة رد الفعل أو الاكتفاء بإدارة الأزمة دون رؤية أستراتيجية واضحة ، فالفصائل المسلحة مهما كانت دوافعها أو حساباتها تجد نفسها دائماً أمام أختبار صعب بين منطق التضامن الإقليمي ، ومتطلبات المصلحة الوطنية ، في حين تتحمل الحكومة العبء الأكبر في منع تحويل الأراضي العراقية إلى ساحة صراع بالوكالة .
التجارب الدولية تقدم دروساً واضحة في هذا السياق ، فدول مثل “فيتنام” و”كولومبيا” ، وحتى بعض دول “أوروبا الشرقية” بعد الحرب الباردة ، واجهت ضغوطاً خارجية ، وصراعات داخلية مُتزامنة ، لكنها نجحت بدرجات مُتفاوتة في تحييد ساحتها الوطنية عبر بناء مؤسسات قوية ، وتوحيد الخطاب السياسي ، وتقديم المصلحة الوطنية على الاصطفافات العابرة للحدود ، هذه الدول لم تنَجو من الأزمات عبر الإنكار أو التصعيد ، بل عبر إدارة عقلانية للصراع ، وتوسيع هامش الدبلوماسية ، وتقليص مساحة الفعل غير المنضبط .
في الحالة العراقية ، يصبح المطلوب اليوم خطاباً سياسياً هادئاً ومسؤولاً ، يوازن بين أحترام العلاقات الإقليمية ، والحفاظ على السيادة الوطنية ، ويمنع في الوقت ذاته تكرار أخطاء الماضي التي دفعت البلاد أثماناً باهظة ، فالعراق لا يملك ترف المغامرة ، ولا قدرة له على تحمل صدمات إضافية في ظل تحديات سياسية ، وأمنية ، وأقتصادية ، وخدمية لا تزال قائمة .؟
إن ما تمر به المنطقة ليس أختبار قوة بقدر ما هو أختبار “عقل وحكمة” ، والرهان الحقيقي لا ينبغي أن يكون على من يطلق التهديد الأعلى صوتاً ، بل على من ينجح في حماية مجتمعه ، وتحسين شروط الاستقرار ، وتجنب الانزلاق إلى صراعات لا تخدم إلا مشاريع الفوضى .
أخيراً وليس آخراً .. إن مسؤولية النُخب السياسية العراقية اليوم هي مُضاعفة ليس فقط في أتخاذ المواقف ، بل في بناء رؤية وطنية تمنع تكرار سيناريوهات الانهيار ، وتضع العراق في موقع الدولة لا الساحة .
المنطقة اليوم تقف على مُفترق طرق ، بين منطق التصعيد ، ومنطق الاحتواء ، والتاريخ القريب يخبرنا أن الدول التي نجت ، لم تكن تلك الأكثر تسلحاً ، بل تلك الأكثر قدرة على قراءة اللحظة ، وضبط الانفعال ، وبناء الدولة كملاذ أخير في زمن الاضطراب …!




