الجمعة - 15 مايو 2026

بين الجلاد والذباب المتديّن..!

منذ 4 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

عباس زينل ||

رسالة إلى الذباب المتديّن

نعم، نحن عشّاق السلطة.
نريدها بقوّة، ومتشبّثون بها تشبّثًا يفوق تصوّراتك،
ومهما شرحنا ووضّحنا وفسّرنا، ستبقى تدور في الدوامة ذاتها،
وتعود لتتّهمني بما تعرفه حقّ المعرفة.

وسأقول لك لماذا نعشق السلطة ولماذا نتمسّك بها:

لأنني لا أريد أن ألتصق بسجّادة صلاة في سرداب،
أدعو متى يظهر الحجّة لينقذني من بطش سلطةٍ تتعطّش لدمـ،،ـــائي،
كلّما تطـ،،ــرفت معي رفعت يدي للدعاء:
( إلهي عجّل لوليّك الفرج وأنقذني من سوط الظلم ).
يجلدني على كلّ شيء،
وحين لا يجد شيئًا، يجلدني من أجل لا شيء!

هذا الذباب المتديّن كائن عجيب وغريب؛
يعلم يقينًا أنّ راحته ووجوده مرهونان بتشبّثي بالسلطة،
ويُدرك أنّ انتقاده لي بحرّية تامّة سببه أنني متمسّك بها،
ومع ذلك يجلد ذاته أكثر مما جلد السلاط ظهري.
لا يشعر بالراحة إن لم ينتقدني.

تراه يتوضّأ فتظنّه معصومًا في وضوئه،
ويرفع يديه في القنوت فترتجفان ارتجافًا عظيمًا.
لمن هذا الوضوء الدقيق؟ ولمن هذه الرجفة؟
لتجلد ذاتك، ثم تصعد المنبر بعد الصلاة،
تهتف وتصرخ:
( انظروا إلى فسـ،،ـادهم! شـ،،ــوّهوا سمعة الإسلام! شــ،،ـوّهوا سمعة الشيعة! )

كم تمنّيت أن تبقى سمعة الشيعة على رجفتك في الصلاة،
كما كانت في عهد سلطة جلّادي، لكي يعيدك الزمن إلى كونك مواطناً من الدرجة المسحوقة السبعين،
لا أحد يحـ،،ــترمك، ولا يُشركونك في أي مجال، ولا تنال منصباً،
لا تملك قوتك اليومي، ولا وسيلة نقل، غير الدابة!
ملابسك متسخة، وجودك للسخرية لا أكثر،
يقلّلون من انتمائك، ومن شكلك، ومن لهجتك ولسانك،
لا وجود لك أصلاً..
لكن ماذا أفعل لجرأتي وشهامتي وشجاعتي؟
لقد غضضت الطرف لا عنك وعن طنينك فحسب،
بل عن جلّادي وعن كل جلّاد في العالم أراد الانفراد بي.

سأحكم قبضة سلاحـ،،،ــي بقوّة،
بقوّة لم تروها من قبل.
لن أتنازل عنها لأي سبب كان.
سأعبد السلطة، وأفديها بروحي وبكل ما أملك.
لا لأنني لا أعرف الزهد أو التواضع،
ولا لأنني لا أملكهما،
بل لأنني لا أملك فرصة للعيش
إلا إذا كنت متشبّثًا بالسلطة.

أيها الذباب المتديّن،
أوصيك بصلاتك وصومك ورجفتك،
ولا تنسَ أن يكون جبينك مطبوعًا بآثار السجود بوضوح.
أعلم أنك لن تجد ثغرة في وصفي لك،
وستقول إنني ضد صلاتك وصومك وآثار سجودك.
لا بأس، ركّز معي واستمع جيدًا للوصية.

بعد أن تنتهي من أوقات عبادتك،
اخرج إلى محلّ رزقك،
متعطّرًا بعطور أصلية،
مرتديًا ملابس من أقمشة جيّدة.
حيِّ من تلقاه، وانحنِ قائلًا:
( مولاي، تقبّل الله أعمالكم ).

افتح محلك وأنت مطمئن؛
لا أحد يهــ،،ـددك، ولا أحد يهـ،،ــدد وجودك وكيانك.
جارك هو جارك في كل مكان،
ولا أذان للجدران تخاف كما في السابق من سوط الطغيان.
اطمئن..
فعاشق السلطة هنا،
ولا أقبل أن يُمسّ طرفك أحد.

المهمّ: لا تعكّر يومك.
وعندما تجلس أمام محلك،
ابدأ أول حديثك بجلد ذاتك وجلدي أنا،
وانتقدني كما تشاء.
فنحن عشّاق السلطة معروفون في الأرجاء:

في ايران حيث أبناء اللواء الكرماني الذي قُطّع إربًا إربًا،
وفي العراق أنصار الشايب الذي لم يبقَ منه سوى نظارته الطبية،
التي سهرت خلفها عيناه ليستمع لمن يجلدون ذواتهم،
وفي لبنان حيث سيّد الجنوب،
والذي استخدم ضده الاف الأطنان من المتفـ،،ــجرات..

قد تكون مارست عبادتك في عهد جلّادي،
وتظنّ أنك كنت تخدم دينك وعقيدتك.
لكن دعني أقول لك الحقيقة:
لو تمكّن الغرب مني وتفرّدوا بك،
لما استطعت حتى ممارسة هذه العبادة التي تتباهى بها.

لقد غزوك وأنت في بيتك، وبين عائلتك.
أطفالك لا تعرف عنهم شيئًا:
من قدوتهم؟ من رمزهم؟ من مثالهم؟
غزوك فكريًا واجتماعيًا
قبل أن يتخلّصوا مني.
وحينها،
ستفقد حتى طنينك
الذي كنت تتبجّح به معي.