ماذا سيحصل في ايران، لا اريد ان اعرف؟!
ناجي علي أمهز ||

يسأل الكثيرون: لماذا لم اكتب عن ايران.
“في الحقيقة، وأنا أحدثكم بمنتهى الصراحة وهذا المقال ليس للنشر بل هو جواب على من سالني”.
كانوا الشيعة رغم قلة عددهم وعتادهم يخوضون الحروب ضد اسرائيل، كانت بنادقهم تحلل، ودمائهم ترسم الجغرافيا وتحرر، والصمت المطبق من حولهم اكبر انتصار، حتى كتب العالم انهم العين التي قاومت المخرز.
كانت الناس تفرح بنشيد، او حتى قصاصة ورق عليها خبرا ما عن المقاومة، كنا نظن المقاومين يعيشون في السماء يهبطون يقاتلون انتصروا انتصروا ستشهدوا عادوا الى سمائهم، لا نعرف عنهم شيئا.
لكن في عز قوة الشيعة السياسية والعسكرية، ودون سابق انذار اصبح لدينا اعلام، انزل المقاومين من السماء الى الشاشات، وانتج من يحللون ويرسمون الجغرافيا، فتحول الاعلام الى ساحات اعدام، كانه لعنة حلت علينا.
بدأتُ أتساءل: هل بلغتُ حدّ الوسواس؟ أم أن ما أشعر به هو نتاج عوامل نفسية، أو ربما هو نوع من التشاؤم المرير؟ لقد وصلتُ إلى مرحلة بتُّ فيها أشعر، مع رؤية غالبية محللين محور المقاومة، بأن هؤلاء هم جزء من المأساة التي انتهى الشيعة إليها، ليس فقط في لبنان بل العالم.
وانا اليوم لم اعد بوارد البحث عن نتائج الحرب وتداعياتها على الشيعة، بل عن اللعنة التي حلت على الشيعة، الذين منذ وجودهم محرومين مهمشين مضطهدين، لكن كانوا دائما يشعون بريقا وينبضون بالحياة رغم الماسي والظلم، اما اليوم فان الامر مختلف، ليس لان الطائفة انتكست بالحرب، كل شعوب الارض والدول تخوض الحروب تربح وتخسر ثم تعود وتنتصر، ولكن لانه في زمننا هناك من رفع الاسقف الى ما لا نهاية، فانهار كل شيء على رؤوسنا.
وفرخوا افواجا من المحللين وكانهم قادمين من نكسة عام 1967 قالوا ما لا يعرفون او يؤتمنون عليه:
• قالوا وجزموا أن إسرائيل لن تجرؤ على مهاجمة غزة، فدُمّرت غزة وشُرّد أهلها.
• قالوا إن إسرائيل عاجزة عن شن حرب على حزب الله، فشنت حرباً لم تبقِ حجراً على حجر.
• قالوا لن تجرؤ إسرائيل على اغتيال السيد نصر الله، لإن المنطقة ستشهد زلزالاً يُفني إسرائيل، واغتُيل السيد ولم يحدث الزلزال الموعود ليس لان السيد لا يستحق ان تزلزل الدنيا لاجله بل لأن الله أراد أن يفضح كذبهم وزيف دموعهم على الشاشات.
• قالوا بلحظة سيجد كل مهجر من الجنوب والضاحية ماوى له فاذا بالناس تشرد.
• قالوا بحال توسعت الحرب فان افواج المقانلين ستدخل من العراق وتاتي من اليمن الى لبنان، فقطعت اوصال الجغرافيا وكانها اصيبت بزلزال بين لبنان وسوريا.
• قالوا إن الأسد سيحكم للأبد، ففرّ في مشهد مهين تاركاً وراءه كل شيء.
• قالوا إن دمشق وحمص لن تسقطا، فسقطت سوريا بأكملها في أيام.
• قالوا ان اسرائيل لن تهاجم ايران، هاجمت اسرائيل ايران
• قالوا امريكا لن تهاجم ايران، فقامت امريكا بمهاجمة ايران
• قالوا لن تستطيع امريكا ان تقصف المفاعلات النووية الايرانية، فقصف امريكا المفاعلات النووية.
• قالوا إن لبنان سيستخرج غازه ونفطه، فضاع الغاز والنفط والجنوب معاً.
• قالوا لا انتخابات رئاسية قبل الانتخابات النيابية عام 2026 حصلت الانتخابات الرئاسية عام 2025
• قالوا لن يصل العماد جوزاف عون للرئاسة فوصل،
• قالوا سيأتي ميقاتي فجاء نواف سلام،
• قالوا إن حصة المقاومة في الحكومة ستكون وازنة، فكادوا لا يحصلون على ثلاثة وزراء شيعة.
• قالوا لن تجرؤ امريكا على مهاجمة فنزويلا، خلال ساعات كان مادورو يقبع في السجون الامريكية.
وقالوا وقالوا، حتى اصبح العوام دون شعور يعاكسون كل شيء يقوله هؤلاء المحللين.
“أردتُ أن أكتب عن إيران وواقعها، لكنني تراجعت؛ لأنني أدرك يقيناً أن هؤلاء المحللين، (باعة الكلام)، سيسارعون لرفع أصواتهم بتنبؤات النصر. وبما أن القاعدة أثبتت أن كل ما يتفوهون به يحدث عكسه تماماً، فلم اكتب.
ولا اخفيكم ربما انا مصاب بفوبيا من هؤلاء، واليوم اشعر مع كل كلمة يرددونها عن انتصار النظام في إيران، بانه سيسقط اسرع؛ ليس لأن النظام فاسد، بل لأن سُنّة الله تقضي بتكذيب غالبية هؤلاء المحللين الذين استمرأوا الدجل.
“المسألة ليست مجرد كذب سياسي، فالعالم مليء بالمحللين الذين يكذبون، لكن لا يمكن ان تكون مع ‘المقاومة’ وتحلل كذبا، إن أمانة هذه المقاومة الروحية ثقيلة جداً، فهي معجونة بالآلام والدموع ودماء الشهداء، والله سبحانه وتعالى لا يسامح أبداً من يعبث بدماء الناس أو يتاجر بأوجاعهم.”
ما أكتبه هنا ليس جنوناً، بل هو “هاجس” تحوّل إلى يقين؛ اصبحت أخشى الاستماع إليهم، اشعر مع كل كلمة يتحدثون بها ستحصل كارثة ما، انهم “يبثون ذبذبات مرعبة مدمرة للجهاز العصبي والعقلي والمجتمعي”.
حتما سيكتب عنهم عالميا دراسات في الميتافيزيقيا، لانهم ظاهرة غريبة وقدرة هائلة من التاثير السلبي.
اعرف ان ما اقوله غريب، لكنه يلتقي بالواقع مع مدرسة “سيغموند فرويد” الذي أكد أن الكذب المستمر ينتج توتراً داخلياً ينتقل للآخرين عبر “العدوى النفسية فيتحول من مشكلة فردية إلى تشويش جماعي في إدراك الواقع.
وفي علم النفس الاجتماعي، يؤسس الكذب لما سماه “ويلفريد بيون” المناخ العاطفي السام”. إن الإنكار والتضليل وازدواج الخطاب تُنتج قلقاً جماعياً غير واعٍ، ينعكس توتراً وعدوانية وأمراضاً نفسية-جسدية داخل الجماعة.
قد تظنون مقالي عجيبا، لكن صدقوني هناك لعنة تعاكسنا.




