يا علي ابن أبي طالب.. يا علي ابن أبي طالب يا علي ابن أبي طالب..!
اكرم كامل الخفاجي ||

الحمد لله رب العالمين .. اللهم صلِّ على محمد وآل محمد .
من الأفكار التي طالما آمنت بها ، هي أن القرآن لا يتكرر مهما أعدنا قراءته .. فالألفاظ ثابتة وسرمدية ولكن المعاني تتغير بمقدار وعينا .. أي أنه يضيق ويتّسع بحسب ذهن المتلقي .
فبعض الناس من المسلمين الذين لم يُحسنوا الفهم أو لا يريدونه يقولون بأن قولك : (يا علي) شرك ! بل قل : (يا الله) ؟
وهذا المتكلم إنما يقول لك : قل يا الله ، فإنه يفترض جهلاً وخبثاً مجتمعَين أنني أقول : (يا علي) بدلاً من قولي : (يا الله) والعياذ بالله !!
فنوضح : عندما نقَول (يا علي) الذي فهو الوسام الذي نحمله ونفخر به في كل آن ، وفي كل زمان ، وفي كل حال من الأحوال .. لأننا مطمئنون أنّ الله تعالى يُسرّه هذا الشيء والملائكة تتسابق لكي تتمسّح في المجالس التي يُذكَر فيها علي بن أبي طالب (ع) كما أكدتها الروايات .
فقولُنا : (يا علي) لابد أن يحمل ثلاث معانٍ ، إما نداء أو توسُّل أو طلَب من الإمام .
أولاً : في حال كونه نداءً فلا ينطق به عاقل من العقلاء ، لأنه إذا كان مجرد النداء شرك فتخرب الدنيا لأن الله يصبح أول مشرك – والعياذ بالله – .
لان الله بالقرآن لم يترك أحداً لم يُنادِه : يا آدم ويا عيسى ويا موسى ويا إبراهيم ويا يحيى ويا مريم ويا أيها الذين آمنوا . فإذا كان النداء لغير الله تعالى شركاً فيكون الله تعالى هو من فتح هذا الباب – والعياذ بالله – .
بل الله سبحانه لم يُنادِ فقط بل قال للنبي (ص) : (قل يا أيها الكافرون) فعلَّم النبي على النداء . فتصبح المصيبة مصيبتان ! .
إذن المعنى الأول سفيهٌ إذا نادى : (يا علي) وينتفي بأنه شرك ولا يحتاج الى توضيح أكثر .
ثانياً : في حال قولي يا علي توسُّلاً إلى الله تعالى .. فماذا يعني وماذا يتطلّب ؟
فعندما نقول : (يا علي) ونتخذه وسيلة إلى الله فهل هذا هو الشرك ؟
فنجيب : المفترض بالعاقل ألّا تمر بذهنه هذه النتيجة أبداً لأنه من المستحيل أن يكون التوسل شركاً لمقولتين : المقولة العرضية .. والمقولة الطولية .
أما المقولة العرضية فيعني أنك تُشرك بالله عندما تجعل أحداً مع الله تعالى وفي عرض الله . يعني أشبه بشيء أفقي تجعله مع الله تعالى فإذا طلبت أو عبدت أو توجّهت إليه تتوجّه بمستوى الله تعالى ، وهذا شرك .
أما في المقولة الطولية فقول : (يا علي) فهو توسل ، لأنه من المستحيل أن تلتقي المرتبة الطولية مع المرتبة العرضية ، بل يمكن القول انه لا شأن لأحدهم بالآخر .
فعندما تقول : (يا علي) وتتخذه وسيلة إلى الله ، فمن المستحيل أن تتصوّر الشرك في المسألة .
فقد سئل السيد الخوئي (قدس) : هل يجوز أن نقول يا علي أدركني أو يا علي ساعدني أو كذا ؟
فقال : إذا كان إنسان في البحر يغرق ومرّ بجانبه قارب فيه شخص فماذا يفعل ؟ فبالرغم من أني لا أريد أن أشرك وأقول يا الله ساعدني؟! .
سيقال له : يا فهيم مُد يدك ليخرجك !
فإين الشرك من هذا ؟! فتأمل .
فالله سبحانه وتعالى قال في القرآن وأمر أن نبتغي إليه الوسيلة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) المائدة : 35 .. فاقتصر المسلمون على النص وتركوا لوازمه ! .
ثم عادوا مماحكة وقالوا : إن الوسيلة هي العمل الصالح .. يعني أن تتوسَّل إلى الله بالعمل الصالح .
فنجيب : يعني إذا توسّلتُ إلى الله بالعمل الصالح ألا يصبح شركاً ؟! ألم أجعل العمل الصالح وسيلة ؟
إذن إذا كان مطلق الوسيلة هو شرك فالعمل الصالح هو شرك بالله تعالى أيضاً .
وإذا قيل لنا : لقد وردت الروايات بأن العمل الصالح هو ما يُتوسَّل به إلى الله تعالى .
فنقول له وبكل اطمئنان : ومن قال لكم بأننا إذا قلنا : (يا علي) هذا ليس عملاً صالحاً ؟ .. وهل الصلاح إلا علي ابن أبي طالب حتى إنقطاع النَفَس ؟.
فعندما تأتي إلى الطبيب وتقول له : يا دكتور عندي مرض جلدي معين ماذا أفعل ؟
هنا نقول مستفهمين : مِن مَن أتيت تطلب الدواء ؟ من الدكتور أم من الله ؟ .
فعندما تطلب هذا الطلب من الطبيب فإذا كنت تعتقد بأن ليس الله هو الشافي بل الطبيب فهذا هو الشرك.
وإذا كنت تعتقد بأن الطبيب مستقل في إرادته وعلمه عن الله تعالى فهذا شرك أيضاً ! .
ولكن مَن منا يتعامل بهذه الطريقة ؟
فأنا أذهب إلى الطبيب الذي خلقه الله ، والله أعطاه القدرة على الشفاء بما علّمه الله .. والله قادر في لحظة أن يُنسيه كل معلوماته ، لكن الطبيب عنده – الله أعطاه – معلومات قادر على أن يُفيدنا بها .
ثالثاً : في حال قول (يا علي) طلباً من الإمام ! فماذا يعني ؟ أو على الأقل هل يدخل في خانة الشرك ؟
ففي حياة النبي (ص) لو جئتُ وطلبت منه : يا رسول الله اشفِني ! ألم يأتوا إلى عيسى (ع) ليشفيهم ؟
وأتحدى واحداً من المسلمين أن يأتيني بدليل واحد على أن الذين كانوا يأتون إلى عيسى (ع) يقولون له : يا عيسى اطلب من الله أن يشفينا !! .
فعيسى (ع) ماذا قال للقوم الذين أُرسل إليهم عندما أراد أن يُظهِر لهم المعجزة ، وعلى لسان الآيات :
قال : (إني) أخلُق من الطين كهيئة الطير بإذن الله .. ولكن من الذي يخلق ؟ قال عيسى (ع) (إني) يعني أنا ؛ لذلك عندما كانوا يأتون عند عيسى يقولون : اخلق لنا من الطين كهيئة الطير ، فيخلق لهم ولكن بإذن من الله تعالى .
والإشكال الذي يطرحه القوم : إذا سلّمنا بقولكم هذا وهم أحياء ، ولكن بعد الموت كيف تطلب منه ؟
فقد روى القوم حديثاً صحيحاً سنداً – أنقل مضمون الحديث – : جاء رجل إلى رسول الله (ص) فقال له عندي حاجة كذا وكذا اطلب من الله تعالى أن يقضيها لي . قال النبي (ص) : إذا أردت التمهّل يكون أفضل . قال له : لا أنا مستعجل . فقال : إذن توضَّأ وصلّي لله ركعتين ثم قُل : اللهم إني توجّهتُ إليك بنبيّك محمد (صلى الله عليه وآله) .
أليس هذا توسلاً .. فإذا كان التوسل شركاً فالنبي مشرك والمسلمون كلهم مشركون .
وعندما رأوا الدليل قويّاً قالوا : نسلّم لكن ذلك كان في حياة النبي .. لكنكم بعد موت أهل البيت (ع) أنتم تتوسلون بهم .
والجواب : إذا عرفنا أن التوسل بأهل البيت عموماً وبعليّ خصوصاً ليس شركاً ، يبقى السؤال قائماً وهو : كيف تتوسلون بهم وهم ميتون ؟
نحن أناس نطيع القرآن الكريم ونؤمن به والله سبحانه قال (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) البقرة : 154.. وهذا قرآن بلسانٍ عربي مبين ، فأمر الله سبحانه بأن لا تقولوا عنهم أموات (بل أحياء) يعني يجب الاعتقاد بأنهم أحياء .
ثم قال : (ولكن لا تشعرون) فلو قال (ولكن لا تعلمون) لكانت المسألة صعبة قليلاً .. مما يعني أن هناك حجاب بينكم وبينهم لو زال هذا الحجاب لشعرتم بهم ؛ فلا يجوز أن نقول (لا تشعرون) وهم غير موجودين أبداً لأنه سيصبح لغواً من القرآن الكريم – والعياذ بالله – .
ونضرب مثلاً : إذا قال أحدهم لك : أنا كلّمتك ولكنك لم تسمعني .. فالصورة تقول : نحن جالسون هنا وأحدهم جالس في الصين ويتحدث معنا بدون أي وسيلة اتصال لأنه تحدث لوحده قطعاً !! وبعد شهر يأتينا ذلك الشخص ويقول لنا : أنا تكلّمت معكم في اليوم الفلاني لكنكم لم تسمعوني !!
نقول له : كلامك خطأ ، فيجب ألا تقول (لم تسمعوني) .. والصحيح أن تقول (أنا تحدّثت لوحدي) .
فعندما قال الله تعالى (وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ) يعني من شأنكم أن تشعروا بهم ، لولا أنَّ هناك بعض الحُجُب وبعض الموانع ، وإلّا فهم قريبون جدّاً بحيث من الممكن أن تشعروا بهم لأنهم موجودون .
ونحن الشيعة عندنا أن أهل البيت (ع) قُتِلوا في سبيل الله ، ونحن مؤدَّبون وتعلّمنا الأدب من أهل البيت (ع) في التعامل مع خطابات القرآن الكريم . فقال سبحانه : لا تقولوا أمواتاً ! فأهل البيت (ع) لم يموتوا ! نعم الموتة المادية بمعنى أن الروح خرجت من الجسد ممكنة . أمّا أنهم (أحياء ولكن لا تشعرون) فيعني أننا لو رفعنا هذا الحاجز بيننا وبينهم فنناديهم ويسمعون .
فمن حقي أن أقول : يا علي ابن أبي طالب .. يا علي ابن أبي طالب .




