عاقبة الرّكون الی الظالمين..!
كوثر العزاوي ||

قال الله عزّ وجلّ:
“وَلا تَرْكَنُوا إِلَی الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ” ١١٣.
إنّ هذه الآية تبيّن واحدًا من أقوی وأهم الأسس والبرامج، الاجتماعية والسياسية والعسكرية والعقائدية. فهي تخاطب عامة المسلمين ليؤدّوا وظيفتهم القطعية فتقول: “ولا تَرْكَنُوا إِلَی الَّذِينَ ظَلَمُوا..” والسبب واضح جدًا يأتي بجواب إلهيّ يقول: “فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّـهِ مِنْ أَوْلِياءَ..” ومعلوم حالكم عندئذ “ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ”. فالعاقبة حقًا وخيمة.
لنرى ما هو مفهوم الرّكون؟
إنّ مفهوم «الركون» كما ذكر اللُّغويون، كلمة مشتقة من مادة «رُكْن» ومعناه، العمود الضخم من الحجر، أو الجدار الذي يربط البناء أو الأشياء الاخری بعضها الی بعض. كما أطلق هذا اللفظ علی الاعتماد أو الإستناد الی الشيء.
وبالرغم من أنّ المفسّرين أعطوا معاني كثيرة لهذه الكلمة في تفسيرهم للآية، مثلًا:
فسّرها البعض بالميل، والبعض الآخر بــ«التعاون»، وفسّرها البعض بــ«إظهار الرضا» وآخرون بــ”المودّة”. كما فسرها جماعة بالطاعة وطلب الخير، ولكنّها في الغالب تعود الی مفهوم جامع وكلّي،
وهو في أصله يعود الى معنى “الاعتماد والاتكاء كما هو واضح”.
ومن هنا، لا بدّ أن نعرف ماهي الأمور التي لا ينبغي الرّكون فيها الی الظالمين؟!
من البديهي انّه لا يصحّ الأشتراك معهم في الظلم أو طلب الإعانة منهم، كما لايصحّ الاعتماد عليهم إطلاقًا فيما يكون فيه ضعف المجتمع الإسلامي، وتبديله الی مجتمع تابع وضعيف لا يستحق الحياة، لانّ هذا الركون ليس فيه نتيجة سوی الهزيمة والتبعية والتهوين للمجتمع الاسلامي.
للأسف، إنّ مانراه اليوم في واقعنا الذي يكثر فيه المتملّقون والمتزلّفون والمجامِلون للظالمين والفاسدين، ممن هم في هرم السلطة حتى أدنى مرتبة فيها، نحتاج إلى مَن يقول لهؤلاء: لا للظلم، باليد تارة وباللسان والقلم تارة أخرى، نحتاج إلى الذين يفهمون أنّ الطريق إلى الله لن يكون إلّا بالوقوف في وجه الظالمين والفاسدين، ويقولون ما قاله النبيّ موسى لربّه وعاهدَ عليه: {قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ}.
نحتاج الى أولئك الذين يفهمون أنّ الإيمان بالله ومنهج آل محمد “عليهم السلام” لا يمكن أن يلتقي مع ظلم عباده، ولا الاستحواذ على حقوق الناس، إنّما هما طريقان لا يلتقيان أبدًا كما في صريح قوله عزّ وجل:
{الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ}
فالتهاون يُصبح شيئًا فشيئًا مصداقًا لما تحذّر منه الآية المباركة “ولاتركنوا…”
لأن الظالمين وحدهم لا يملكون قوة ذاتية تؤهّلهم للتسلّط والجور، بل تأتي قوّتهم من الأزلام والأتباع والمتعاونين وأتباع الهوى والجاه، ممن يفسحوا لهم طريق التدخّل في شؤون البلاد والعباد بحجة تبادل الخبرات في المجال التجاري والعسكري والاقتصادي والأمني وغير ذلك، ومهما يكن فلا بدّ أن يتميز هؤلاء الذين يروَن في الظالم وجودهم، فيكون حالهم في يوم لاينفعهم إيمانهم، ولم يكتسب من إيمانها خيرًا، فلا هم مع الله ولا هُم مع الظالمين.
فيكتبون في أعوان الظلمة في زمن الظهور، وحالهم يومئذ لا محالة الهزيمة، والقضاء عليهم من قبل الإمام العادل الذي ينتظره العالَم أجمع، وكما تشير الروايات، إلى أنهم -أعوان الظلمة- سيُبادون كالغصون اليابسة ويُستَأصلون كالورم السرطاني، حيث يُنظر إليهم كبذور شرٍ لا بدّ من اقتلاعها لإنقاذ المجتمع.
كما نعتقد أنّ الإمام المهدي”أرواحنا فداه” يمتلك علمًا خاصًا يمكّنهُ من معرفة شخصياتِ مَن ركنوا الى الظالمين واعتمدوا عليهم، كما يعلم دوافعهم، مما يجعل قراراته “عليه السلام” في القضاء عليهم دقيقة وعادلة، ولا يخشى الخطأ في قتل أحد.
وهكذا تكون نهاية الظلم والجور عند ظهوره المقدّس، ممّا يمثّل نهاية عصر الظلم والجور الذي يملأ الأرض، ويُستبدَل الفساد بالعدل والقسط عالميًا، فيستقر الناس وتعمّ الأرض البركات، ويُفتح باب كل حق ويُغلق باب كل باطل، مما يعني زوال سلطة أعوان الظلمة وانهيار نفوذهم.
وباختصار، إنّ يوم ظهور الإمام المهديّ المنتَظَر، هو يوم الفصل، حيث يُعاقَب الظالمون وأعوانهم ويُهزمون، وتزول مظاهر الفساد التي يمثّلونها، ويُبسَط العدل المطلق على الأرض، وتنتصر الإنسانية ويثبّت الحق والهدى.
من هنا، صار الركون الى الظالمين مستهجَنًا، لأنهُ يبعث علی تقوية جبهة الباطل، وتقوية الباطل مدعاة الی اتساع رقعة الظلم والفساد في المجتمعات، وهذا ما حذّر الله تعالى منه في الآية الكريمة “ولاتركنوا…”
وجاء أيضا في تفسير البرهان:
أنهُ سئل الامام الصادق “عليه السلام” عن قول الله: ﴿وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذينَ ظَلَمُوا..﴾ قال “عليه السلام”:
“هو الرجل من شيعتنا يعوّل على هؤلاء الجائرين”.
فإذا كان الرّكون إلی الظالم والاعتماد عليه يُوجِبان النار وغضب الله عزّ وجل ، فما بالك بالظالم نفسه؟!.
١٩-رجب الأصبّ-١٤٤٧هـ
٩-كانون الثاني-٢٠٢٦م




