🔻اسرار اختطِاف نيكولاس مادورو | تفاصيل عملية اختطاف رئيس دولة فنزويلا..!
فرقان آل رضا ||

قبل أن نبدأ بسرد تفاصيل ما حدث، علينا أولًا أن ندرك أننا لا نتحدث عن حادثة أمنية عابرة… نحن أمام لحظة كُسرت فيها هيبة دولة، وسقط فيها رئيس في أيدي قوة أجنبية داخل عاصمته، في عملية هي الأخطر في أميركا اللاتينية منذ غزو بنما واعتقال مانويل نورييغا سنة 1989.
لكن كيف حدثت هذه العملية؟
كيف يُختطف رئيس دولة من قلب عاصمته، من داخل مجمّع عسكري شديد التحصين، من دون أن تنجح أجهزته الأمنية في منعه؟
كيف تُشلّ دولة كاملة لعدة ساعات، وتُعطَّل دفاعاتها الجوية، وتُصعق قيادتها السياسية، بينما طائرات العدو تحلّق فوق العاصمة وتخرج منها وهي تحمل رئيس الجمهورية أسيرًا؟
2/
لكي نفهم كيف جرت عملية اختطاف الرئيس نيكولاس مادورو، علينا أن نبدأ من القوة العسكرية التي يمكنها تنفيذ مثل هذه العملية أصلًا. الولايات المتحدة الأميركية لا تملك جيشًا واحدًا فقط، بل شبكة من قوات خاصة ووحدات عمليات دقيقة، أغلبها وُلد بعد الفشل الأميركي المهين في تحرير الرهائن الأميركيين من إيران خلال أزمة الرهائن في عهد الرئيس جيمي كارتر.
3/
في ذلك الزمن حاولت واشنطن تنفيذ عملية عسكرية حملت اسم إيغل كلاو (Eagle Claw) لتحرير الرهائن من قلب إيران عبر إنزال قوات خاصة في عمق الأراضي الإيرانية. العملية فشلت قبل أن تبدأ فعليًا؛ تعطلت المروحيات، وقع حادث تصادم في الصحراء، واحترقت حوامات وطاقمها في رمال طبس قبل الوصول إلى طهران.
هذه الصفعة العسكرية دفعت الأميركيين إلى قناعة بسيطة: الجيش النظامي غير كافٍ لمثل هذه المهام، ويجب إنشاء قوة خاصة محترفة، مدرّبة على عمليات الاقتحام العميقة، والاختطاف، وتحرير الرهائن في بيئات معادية تمامًا.
4/
من هنا جاء إنشاء قوة دلتا (Delta Force). قوة صغيرة، سرية، عالية التدريب، مهمتها تنفيذ العمليات الأقذر والأدق: خطف، اغتيال، اقتحام مراكز حساسة، وإنهاء المعركة قبل أن تبدأ. هذه القوة حاولت سابقًا تنفيذ عمليات اختطاف مشابهة؛ أشهرها ما حدث في مقديشو في التسعينيات، حين حاولت الولايات المتحدة من خلال قوات دلتا ووحدات أخرى اعتقال قادة صوماليين في قلب العاصمة، وانتهى الأمر بسقوط مروحيات بلاك هوك في الشوارع وانزلاق أميركا في مستنقع دموي.
5/
لهذا أرى أن قوة دلتا هي المرشح الطبيعي لتنفيذ عملية اختطاف مادورو. العقيدة، ونمط التدريب، وطبيعة الهدف، كلها تشير إلى أن هذه العملية تحمل بصمة دلتا بوضوح، حتى لو لم يُعلن ذلك رسميًا.
6/
المعطيات المتوفرة اليوم تشير إلى أن العملية تمت من القاعدة العسكرية فورت تيونا (Fuerte Tiuna)، وهي أكبر قاعدة عسكرية في البلاد، وتضم مقر وزارة الدفاع، وثكنات عسكرية، ومقرات قيادية، وهي عمليًا قلب النظام العسكري والأمني الفنزويلي.
7/
مادورو، في سنواته الأخيرة، كان يعرف أنه مطارد من الأميركيين وأن التهديدات على حياته جدية، لذلك لم يعد يقضي وقتًا طويلًا في قصره الرئاسي في كاراكاس، وفضّل البقاء داخل هذه القلعة العسكرية المحصّنة في فورت تيونا.
8/
و لكي نفهم كيف نفذت العملية، يجب أن ننظر أولًا إلى الحشد العسكري الأميركي الذي تشكّل حول فنزويلا قبل الاختطاف بأسابيع. لعدة أسابيع كانت الولايات المتحدة تدفع بسفن هجومية وبرمائية، ومدمرات، وقطع بحرية أخرى إلى جانب السواحل الفنزويلية تحت غطاء الحرب على المخدرات ومكافحة شبكات التهريب. الهدف الحقيقي من هذا الحشد، كما يبدو الآن، لم يكن فقط اعتراض شحنات كوكايين، بل خلق منصة قريبة لجمع معلومات استخباراتية دقيقة عن النظام العسكري والأمني الفنزويلي، ولتنفيذ عملية خاصة حين تنضج الظروف.
9/
خلال هذه الفترة، من شبه المؤكد أن طائرات استطلاع أميركية متقدمة كانت تعمل ليلًا ونهارًا. طائرات إنذار مبكر وسيطرة جوية من نوع E-3 AWACS راقبت المجال الجوي وحركة الدفاعات الفنزويلية. طائرات استطلاع إلكتروني مثل RC-135، وطائرات بدون طيار بعيدة المدى من نوع RQ-4 Global Hawk أو ما شابه، كانت تحلّق في الأطراف، تلتقط الاتصالات، تراقب الرادارات، وتحدد ما يمكن شلّه في لحظة التنفيذ.
10/
ما سُمّي حربًا على المخدرات كان عمليًا عملية نزع شرعية دبلوماسية عن مادورو، وتحويله من رئيس دولة إلى رئيس عصابة مخدرات في الوعي القانوني الأميركي، تمهيدًا لاختطافه لاحقًا ومحاكمته داخل الولايات المتحدة.
11/
العملية العسكرية نفسها، كما نراها في المقاطع المصورة القليلة، تمت غالبًا عن طريق مروحيات وقوات خاصة. لتنفيذ عملية من هذا النوع عليك أولًا أن تشلّ دولة كاملة لمدة تتراوح بين عشرين وأربعين دقيقة. وهذا تقريبًا ما حصل في فنزويلا فجر الثالث من يناير.
12/
في تلك الليلة، بدأت الطائرات الأميركية – مقاتلات مثل F-16 وربما نسخ حديثة من F-15 وطائرات تشويش إلكتروني – بقصف أهداف محددة داخل فنزويلا:
محطات كهرباء تغذي العاصمة، مراكز اتصالات عسكرية، بعض الثكنات، ومقرات وزارات سيادية. الهدف لم يكن تدمير الجيش أو احتلال البلاد، بل خلق حالة شلل مؤقتة: إطفاء جزء من الشبكة الكهربائية، قطع أو إرباك الاتصالات، إجبار وحدات الدفاع الجوي على الصمت أو التشتت، وفتح نافذة زمنية ضيقة تستطيع خلالها مروحيات القوات الخاصة الدخول والعمل والخروج.
13/
السؤال الذي يطرح نفسه هنا:
هل كانت هناك خيانة من داخل النظام الأمني الفنزويلي؟
الجواب الأقرب للمنطق: نعم، بشكل أو بآخر.
الدليل الأوضح هو أن الولايات المتحدة نشرت قبل اختطاف الرئيس بفترة قصيرة إعلانًا يمنح مكافأة قدرها 50 مليون دولار لمن يدلي بمعلومات تساعد في الوصول إلى مادورو.
14/
الهدف من هذا الإعلان، في الغالب، هو استدراج بعض قيادات النظام أو بعض الضباط العسكريين للتخلي عن مادورو مقابل هذا الحافز المادي، أو على الأقل تحييدهم في اللحظة الحرجة. خمسون مليون دولار كافية لتحويل أكثر الضباط ثورية وولاءً إلى مشروع خائن محتمل، أو على الأقل مشروع صامت لا يتحرك عندما يجب أن يتحرك.
15/
من المرجّح أن جزءًا من الدائرة المحيطة بمادورو قد تم تحييده بهذه الطريقة: إما عبر شراء الذمم، أو عبر تخويف، أو عبر وعود نجاة شخصية. لهذا استطاعت الولايات المتحدة الدخول إلى أهم قاعدة عسكرية في البلاد، لا إلى موقع هامشي أو إلى مطعم أو شاطئ بحر. نحن لا نتحدث عن رئيس كان يتمشى قرب الساحل، بل عن رئيس يتحصن في قلب المنظومة العسكرية، داخل فورت تيونا، ومع ذلك تم الوصول إليه واختطافه.
16/
يبقى السؤال: كيف تم تحييد منظومات الدفاع الجوي الفنزويلية بحيث تمكنت المروحيات الأميركية من الدخول والخروج؟
علينا أن ندرك أولًا أن فنزويلا تملك على الورق منظومات دفاع جوي محترمة، لكنها لا تملك شبكة دفاع جوي حقيقية وفعّالة بالمعنى المهني للكلمة.
17/
نعم، لدى فنزويلا بطاريات من طراز S-300VM الروسية، ولديها طائرات F-16 قديمة حصلت عليها عندما كانت حليفًا لواشنطن في الماضي، ولكن كل هذا كان موجودًا فوق اقتصاد منهار، ودولة تعيش حالة شبه مجاعة، وعقوبات خانقة تشبه – بل ربما تفوق – عقوبات قيصر التي مزقت الاقتصاد السوري.
18/
هذه العقوبات منعت فنزويلا من الحصول على قطع غيار كافية، ومن تحديث منظوماتها، ومن الحفاظ على جاهزية راداراتها وصواريخها. ومع الوقت، ومع انتشار الفساد داخل النظام السياسي والأمني، تحولت هذه المنظومات إلى هياكل على الورق أكثر من كونها شبكة متكاملة قادرة على الصمود أمام ضربة أميركية دقيقة. صواريخ الـS-300 تحتاج إلى صيانة وقطع غيار وطاقم مدرب وإدارة عمليات حقيقية، لا مجرد عرض في المناورات.
19/
من المرجح أن الولايات المتحدة استخدمت في بداية العملية طائرات بدون طيار وطائرات تشويش لاستنزاف الرادارات الفنزويلية وإرباكها، ثم استهدفت بعناية مواقع محددة لبطاريات الدفاع الجوي ومراكز القيادة، بحيث تُجبر هذه المنظومات على الإطفاء أو الصمت.
20/
منظومات مثل S-300 صُممت أساسًا للتعامل مع مقاتلات وصواريخ، لا مع مروحيات تطير على ارتفاع منخفض جدًا وتدخل من ثغرات جغرافية محسوبة. حين تُشل شبكة الإنذار المبكر، وحين تُضرب عقد الاتصال، تصبح المروحيات – من نوع UH-60 Black Hawk أو نسخ القوات الخاصة منها، وربما مروحيات نقل ثقيلة مثل CH-47 أو CH-53 – قادرة على التسلل فوق نقاط ضعف الرادار والاقتراب من هدفها.
21/
وهذا ما رأيناه تقريبًا في الفيديوهات: مروحيات تحلق على ارتفاع منخفض، تدخل إلى محيط القاعدة العسكرية، تهبط بسرعة، تُخرج قوة خاصة، ثم تعود لتحمل الرئيس الفنزويلي نفسه خارج فورت تيونا.
22/
أما السؤال الأهم: كيف خرجت المروحيات الأميركية وهي تحمل رئيس فنزويلا دون أن تُسقطها الدفاعات الجوية؟ هنا يبدو أن الجزء الأكثر حساسية في العملية لم يكن عسكريًا بقدر ما كان تفاوضيًا.
23/
ما تسرب حتى الآن يشير إلى أن الأميركيين، بعد السيطرة على مادورو داخل فورت تيونا، وضعوا القيادة العسكرية الفنزويلية أمام خيارين واضحين: إما السماح بخروج المروحيات بأمان، أو المخاطرة بمقتل الرئيس داخل أراضيهم خلال أي محاولة اعتراض.
24/
ولأن مادورو لم يكن وحده، بل كانت عائلته أيضًا ضمن السيطرة الأميركية، فمن المنطقي أنه فضّل أن يُقبض عليه حيًا بدل تحوله إلى جثة سياسية وعسكرية تحرق البلد معه. في تلك اللحظة، ووسط حالة الشلل والارتباك التي ضربت الدولة، جرى نوع من التفاهم القسري: السماح بمرور المروحيات وخروجها من المجال الجوي الفنزويلي دون اعتراض، مقابل ضمان خروجه حيًا.
25/
وبمجرد أن وصلت المروحيات إلى نقطة الإخلاء وانتقل الرئيس إلى سفينة أميركية في الكاريبي، انتهى عمليًا أي نفوذ لفنزويلا على مصيره، وانتقلت القصة بالكامل إلى الامن والجيش الأميركي.
والسؤال المطروح حالياً: هل سقط النظام الفنزويلي أم أن عناصره ستعاود التشكل ورد الصفعة؟!
-منقول




