قائدة المسيرة الحسينيَّة: قراءة في وعي وشجاعة عقيلة الوحي زينب (علیها السلام)..!
زمزم العمران ||

التبيين هو أساس عمل الأنبياء “عليهم السلام” والسيدة زينب “عليها السلام” أعدت ورُبيت لأداء مهمة التبيين العظيمة .
الشهيد السيد حسن نصر الله قدس سره.
لم تعش عقيلة الهاشميين (علیها السلام) بعد استشهاد أخيها وإمام زمانها الحسين (عليه السلام) مدّة طويلة، ولكنّ حياتها القصيرة هذه كانت كافيةً لتغير مجرى التاريخ، ووافيةً بإستكمال دورها، وتحمّل العبء المُلقى على كاهلها.
لقد كان ظنّ بني أميةساذجاً عندما تخيّلوا أنّ مسيرة الحسين (عليه السلام) بل ودين النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) ينتهي بعد واقعة كربلاء، وما أبدعوا من أسلوب وحشيّ فيها، نعم لم يكن يُرجى أن تقوم لآل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قائمةً بعد المجزرة التي لا مثيل لها عبر التاريخ، وبعد أن فنيَ الرجال ولم يبقَ غير الصِبيَة اليتامى والنسوة الثواكل، لولا زينب بنت علي، عقيلة الهاشميين، العالمة غير المعلّمة، الكاملة، الفاضلة، عابدة آل علي(عليهم السلام) ، والتي خبُرت الحياة وجرّبتها وعاشت مأساة أمّها (علیها السلام) فواجهتها بصبر أبيها (عليه السلام) وحكمـته ووعيه، فلم تدع فرصةً إلا واستغلتهـا لصالح الدِّين، ولم تترك مجالاً إلا وملأته بمزيدٍ من السمِّ الزُّعـاف في كؤوس الظافرين، فيا نشوة النصر التي لم تدم من الأيّام القليلة إلا عدداً، ويـا شمل الكفر الذي لم يجتمع إلا بدداً.
وقفت السيدة زينب (عليها السلام) معلنة الحرب وبدء معركتها الأولى بعد استشهاد أخيها الامام الحسين (عليه السلام )فرغم الألم الذي آلم بها ورغم فقدانها ليس لأخيها فحسب بل للأمامة العظيمة إلا أن زينب (عليها السلام) لم تنكسر وكانت قوية، قيادية، رسالية ،وهذا ما لا يقوم به أحدٌ غير زينب (علیها السلام)، وغير ربيبة البيت النبويّ، وربيبة علي (عليه السلام)، الذي أعدّها وهيّأها لهذه المِحَن الصعبة ، فـبدأت ثورتها بتلك الصرخة الزينبية ، في تلك اللحظة، لحظة استشهاد الحسين، بدأ دورها المستقلّ عن الحسين (عليه السلام)، انتهى دور الحسين (عليه السلام) حيث قدَّم أغلى ما عنده وبذل روحه في سبيل الله والعقيدة، وجاء دور زينب (علیها السلام) في الجولة الثانية من المعركة، وهي جولة الفكر وبيان الحقيقة، جولة الحفاظ على هذه الدماء التي بُذلت أن لا تذهب هدراً، جولة شحن النفوس، وإشعال الثورات، وقطف الثمار .
نقل ابن الأثير أنَّ عمر بن سعد « ارتحل إلى الكوفة، وحمل معه بنات الحسين وأخواته ومن كان معه من الصبيان، وعليّ بن الحسين مريض، فاجتازوا بهم على الحسين وأصحابه صرعى، فصاح النساء ولطمن خدودهن، وصاحت زينب أخته(علیها السلام): يا محمّداه، صلَّى عليك ملائكة السماء ! هذا الحسين بالعراء، مرمّل بالدماء، مقطّع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتَّلة تسفي عليها الصبا. فأبكت كل عدو وصديق»
فهي تذكِّر جيش عمر بن سعد بالنبيّ (صل الله عليه و آله و سلم)، وتُشير إلى الحسين (عليه السلام) وما جرى عليه من أهوال، وما فعل به هذا الجيش، ثمَّ تُخاطب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بأنَّ بناتك سبايا وذريَّتك مقتَّلة، فيا أيَّها الجيش من فعل هذا؟ ألستم قريبي عهدٍ بالنبيّ(صل الله عليه و آله و سلم)؟ ألستم تعرفون جيداً حرمَة النبيّ وحرمة بناته وذريته؟ فهي تستثير الأحزان، وتحرّك النفوس الميَّتة المتعلِّقة بالدنيا، التي ليس لها غير البكاء على ما جنته أيديها، «فوجم القوم مبهوتين، وفاضت دموعهم، وبكى العدو والصديق، فقد استبان عظم الجريمة التي اقترفوها وودّوا أنّ الأرض قد خاست بهم.
وكذلك دورها العظيم مع أهل الكوفة وخطبتها المشهورة التي تقول :« أمَّا بعدُ يا أهل الكوفة ، ألا وهل فيكم إلا الصلف النطف، والصدر الشنف؟ خوّارون في اللقاء، عاجزون عن الأعداء، ناكثون للبيعة، مضيِّعون للذمَّة، فبئس ما قدَّمت لكم أنفسكم أنْ سخطَ الله عليكم، وفي العذاب أنتم خالدون» ، وكأنها بأهل الكوفة قد نكسوا الرؤوس، قد أسقط بهم، لا يدرون ما يصنعون، فلا يجدون إلا تأنيب الضمير والعويل والبكاء، فتقول(علیها السلام) لهم:
«أتبكون؟! إي والله فابكوا كثيراً، واضحكوا قليلاً، فلقد فزتم بعارها وشنارها، ولن تغسلوا دنسها عنكم أبداً. فسليل خاتم الرسالة، وسيّد شباب أهل الجنة، وملاذ خيرتكم، ومفزع نازلتكم، وأمارة محجتكم، ومدرجة حجَّتكم خذلتم، وله فتلتم؟! ألا ساء ما تزرون، فتعساً ونكساً، فلقد خاب السعي، وتربت الأيدي، وخسرت الصفقة، وبؤتم بغضب من الله، وضُربت عليكم الذلّة والمسكنة.
ولم تكف عنهم عندما سمعت بكاءهم على ما فرطوا في جنب الله، بل كرّت بشجاعةٍ وبلاغةٍ وفصاحةٍ تذكرهم بأبيها علي(عليه السلام)، لتذكّرهم بالنبيّ(صلى الله عليه و آله و سلم) الذي ينتمون إليه،
ويلكم أتدرون أيّ كبدٍ لمحمّد فريتم، وأيّ دمٍ له سفكتم، وأيّ كريمةٍ له أصبتم؟ لقد جئتم شيئا إداً، تكاد السماوات يتفطَّرن منه وتنشقُّ الأرض وتخرُّ الجبال هداً، ولقد أتيتم بها خرقاء شوهاء طلاع الأرض والسماء»
استمرت بجهاد التبيين وكشف الحقائق ، حتى كتب والي المدينة إلى يزيد قائلاً : ( ايها الأمير إن كان لك شأن فالمدينة ، فعليك بأخراج زينب بنت علي ، لأنها تؤلب الناس ضدك وتنادي يالثارات الحسين ) ، فطلب يزيد اللعين استقدام السيدة زينب عليها السلام وان رفضت اقتلوا زين العابدين وجميع بني هاشم واهدموا دورهم ، فجاءوا بالرسالة إلى الامام زين العابدين عليه السلام وقرأها فدمعت عيناه وقال اذهبوا إلى عمتي زينب وعندما أتت قالت : اهلا يا بقية الماضين يانور عيني زين العابدين ، ما الخبر ؟ قال : عمتي اقراي الرسالة ، قرأت الرسالة ففاضت عيناها بالدموع وقالت : سيدي ياابن رسول الله ا أعود للشام ؟!! قال : عمتي الأمر يعود اليك رأيتي ماذا يقول يزيد اللعين فقالت : ابدا والله لا أفرط فيك انا ذاهبة للشام مرة ثانية ، وخرجت هي وعبد الله بن جعفر مستقدمين اخذوهم بسرية كتيبة عسكرية وخرجوا إلى الشام ونزلوا في منطقة راوية وكما يقول السيد محمد كاظم القزويني دس السم لها يزيد فماتت مسمومة .
والسلام على من رأت بصبرها ما تعجز عنه الجبال .




