صمود إيران في وجه الضغوط.. تحليل للأسس العقائدية والاستراتيجيات السياسية..!
د. باسم الكناني ||

في ظل المناخ الجيوسياسي المعقد الذي تشهده منطقة الشرق الأوسط، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية ككيان سياسي فريد يتحدى التصنيفات التقليدية،
يجسد النظام الإيراني مزيجاً معقداً من المبادئ الدينية المتجذرة في التشيع الاثني عشري والأهداف الجيوسياسية الوطنية، لقد صُممت الدولة الحديثة في إيران لتكون تجسيداً لـ(ولاية الفقيه)، وهي نظرية سياسية-دينية جعلت من المرجع الديني الأعلى القائد الفعلي والأعلى للدولة،
فوق جميع المؤسسات المنتخبة. نسعى هنا إلى تحليل مقومات صمود النظام في الجمهورية الإسلامية الداخلي والخارجي في مواجهة الحصار الاقتصادي والضغوط السياسية والعسكرية المتعددة، مع التركيز على الدور المحوري للأسس العقائدية في تشكيل سياساته وصياغة هوية جماعية قادرة على مواجهة التحديات.
يستمد النظام الإيراني شرعيته الأساسية من عقيدة ولاية الفقيه التي طرحها للتنفيذ على ارض الواقع الإمام الخميني الراحل وأصبحت حجر الزاوية في النظام السياسي بعد الثورة الإسلامية عام 1979 وفق هذه العقيدة، التي تطورت عبر مراحل تاريخية من الفكر الشيعي،
فإن الفقيه العادل المؤهل يمثل النائب العام للإمام المهدي الغائب في عصر الغيبة، وتكون له ولاية على جميع شؤون الأمة الدينية والدنيوية. ينص الدستور الإيراني بوضوح على أن (ولاية الأمر) وإمامة الأمة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية بيد الفقيه العادل، المتقي، البصير بأمور العصر، الشجاع القادر على الإدارة والتدبير. هذا الإطار يجعل من المرشد الأعلى، ممثلاً حالياً بآية الله علي الحسيني الخامنئي(دام ظله الوارف)، صاحب السلطة العليا التي تتجاوز السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية المنتخبة.
كانت الثورة الإسلامية عام 1979 تعبيراً عن سخط شعبي واسع ضد حكم الشاه المدعوم من الغرب، ونتج عنها تحول إيران من نظام ملكي علماني إلى جمهورية إسلامية ثيوقراطية، لقد نجح الخطاب الثوري،
بقيادة الخميني، في تحويل المفاهيم الدينية الشيعية المركزية-مثل استشهاد الإمام الحسين وانتظار فرج الإمام المهدي-إلى إطار أيديولوجي للعمل السياسي والمقاومة. تبنى النظام لاحقاً رواية تاريخية تدمج بين العناصر الحضارية الفارسية ما قبل الإسلامية والهوية الإسلامية، مما خلق سردية وطنية فريدة تعزز من تماسك الهوية في مواجهة (الآخر الخارجي)، تُستخدم الطقوس الدينية الجماعية، مثل إحياء ذكرى عاشوراء، كآليات لتعزيز التماسك الاجتماعي وخلق ما وصفه علماء الاجتماع بـ(الوجدان الجمعي) الذي يعزز الولاء للنظام السياسي.
على الرغم من الطابع الديني للنظام، فإن العقيدة السياسية الإيرانية أظهرت مرونة وتكيفاً ملحوظين، فهي تسعى إلى تحقيق أهداف إستراتيجية واضحة عبر الأدوات المتاحة، إذ تمكنت من مد نفوذها في عدة عواصم عربية عبر دعم فصائل محلية، وبناء المسارات السياسية في دول مثل سوريا ولبنان واليمن والعراق.
في السنوات الأخيرة، لوحظ تحول تدريجي في الخطاب الرسمي الإيراني من التركيز الحصري تقريباً على الشرعية الدينية إلى تبني خطاب قومي أوسع، هذا التحول ظهر جلياً في خطابات المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، حيث بدأ التركيز على مفاهيم مثل (الأمة-إيران-الحضارة القديمة)، مع إشارات أقل تكراراً للمفاهيم الدينية البحتة، وقد تزامن هذا مع تراجع نسبي في التأكيد على عقيدة ولاية الفقيه كمصدر وحيد للشرعية، مما قد يعكس محاولة من النظام لاستقطاب شرائح أوسع من الشعب الإيراني، خاصة في ظل التحديات الاقتصادية والاحتجاجات الداخلية.
تمارس إيران دبلوماسية براغماتية على الرغم من خطابها الثوري فهي تحافظ على قنوات اتصال مع القوى الدولية، وتعمل عبر وسطاء لإدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة، وتسعى لرفع العقوبات الاقتصادية وإطلاق أموالها المجمدة، كما تتبنى أحياناً سياسة (إظهار القوة وضبط النفس) كصيغة للتعامل مع الأزمات الإقليمية.
يواجه الاقتصاد الإيراني تحديات جسيمة بسبب العقوبات الدولية المتعددة، لا سيما الأمريكية منها، أدت هذه العقوبات إلى تضخم مرتفع، وتراجع في قيمة العملة الوطنية، وزيادة في معدلات الفقر، وندرة في بعض السلع الأساسية ومع ذلك، يستمر النظام في العمل بواسطة (اقتصاد مقاومة) يعتمد على تعزيز الإنتاج المحلي، وتنويع الشركاء التجاريين كـ(التحول نحو الصين وروسيا)، واستخدام طرق واساليب لتحويل الأموال والتجارة. كما أن العائدات النفطية، رغم تراجعها، لا تزال تشكل مصدراً رئيساً للدخل تمكن النظام عبر تمويل مؤسساته والأجهزة الأمنية.
يعتمد النظام الإيراني على شبكة معقدة من الأجهزة الأمنية والعسكرية لحماية النظام السياسي والدولة والشعب، إذ يؤدي الحرس الثوري الإسلامي، وخاصة فيلق القدس، دوراً محورياً في تنفيذ السياسة الخارجية عبر دعم الحلفاء الإقليميين وتدريب الحلفاء، مما يوسع نفوذ إيران دون المواجهة المباشرة. كما تسعى إيران لتطوير قدرات ردع متقدمة، بما في ذلك برنامجها الصاروخي الباليستي والطائرات المسيرة،
وتعمل على تطوير برنامجها النووي للأغراض السلمية، بينما يشكل في نظر خصومها تهديداً إستراتيجياً.
يواجه النظام الإيراني تحديات وجودية متعددة من الداخل والخارج. داخلياً، تشهد البلاد موجات احتجاجية متكررة لأسباب اقتصادية واجتماعية وسياسية، مثل احتجاجات (المرأة، الحياة، الحرية) التي اندلعت بعد وفاة مهسا أميني والتظاهرات الأخيرة التي قام بها التجار(ابتداءاً) بسبب تدهور سعر الصرف، كما أن التنوع العرقي والمذهبي في إيران (من عرب وأكراد وبلوش وآذريين) يشكل تحدياً أمام السردية القومية-الدينية الموحدة، خاصة مع وجود شكاوى من التهميش والتمييز. خارجياً، تستمر العزلة الإقليمية والعداء مع جيران عرب و(الكيان الصهيوني) والضغوط الأمريكية المتعجرفة.
ومع ذلك، يتمتع النظام بـ(عناصر قوة) تمكنه من الصمود، فالأجهزة الأمنية متماسكة وقادرة على صد التمرد الداخلي (من بعض الفئات غير المنضبطة او التي تجندها قوى الاستكبار العالمي). كما أن الشرائح الاجتماعية المؤيدة للنظام تشكل قاعدة دعم مهمة ويمتلك النظام قدرة على التكيف وتحويل الأزمات الخارجية إلى أدوات لتعزيز الوحدة الداخلية عبر خطاب المؤامرة الخارجية والوطنية المدافعة عن السيادة.
لقد نجحت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، عبر أكثر من أربعة عقود، في بناء نموذج سياسي قادر على الصمود في بيئة إقليمية ودولية معادية إلى حد كبير إذ يعتمد هذا الصمود على خلطة ثلاثية الأبعاد:
أساس عقائدي راسخ يوفّر الشرعية ويلهم الولاء بين شريحة من الشعب، ومرونة سياسية وبراغماتية تمكن النظام من المناورة والبقاء، وأجهزة أمنية وعسكرية قوية تحمي الدولة من الأخطار الداخلية والخارجية.
يبقى مستقبل هذا الصمود مرهوناً بقدرة النظام السياسي على إدارة التناقضات الداخلية المتزايدة، وتخفيف وطأة الأزمات الاقتصادية على المواطن العادي، وموازنة بين خطابه الثوري المتشدد ومتطلبات التعايش في نظام دولي معقد. ما هو واضح أن إيران، بكل تعقيداتها، ستظل مؤثرا رئيساً ومصدراً للاستقرار أو الاضطراب في غرب اسيا، حيث تتفاعل الإيديولوجيا مع المصالح الوطنية في صياغة واحدة من أكثر السياسات الخارجية إثارة للجدل في العالم المعاصر.




