🔶 الإمام علي: قصة الحق الذي لا ينكسر، من الكعبة إلى الشهادة..!
✍ د. أحلام شرف الدين ||

في قلب الكعبة، حيث تتنفس قدسية المكان، وفي يوم الجمعة (الثالث عشر من رجب الحرام، سنة ثلاثين من عام الفيل) أشرقت شمس ميلاد “علي” لتعلن فجراً جديداً للإنسانية، لم يكن اسماً فحسب، بل إشراقة “علو” وسمو، قدرٌ أراد له أن يكون محور التوحيد، وحارساً لجوهر الرسالة قبل قوالبها.
نشأ في كنف النبوة، بين يدي محمد وخديجة، لا كضيف عابر، بل كابن يتشرب النور قبل أن يتشكل في آيات، وتتكون روحه على عين الوحي، لم تلوثه جاهلية، ولم يمسه ريب، فكان الإيمان فطرته قبل أن يخطو البشر دروبه.
كان “علي” في المحن، صبراً يلبس الصمت، وجسراً تعبر عليه الرسالة في ليلة الهجرة، محولاً الخوف إلى إيمان مطلق، لم يعتنق ذاته، بل ظل يؤدي الأمانات، معلناً أن الأخلاق تاج الصراعات، هاجر نحو المدينة، يحمل الفواطم، في لوحة وفاء ومسؤولية.
في يثرب، لم يكن “علي” مجرد أخ، بل توّج النبي علاقته به، كاشفاً أن القرابة قرابة روح وغاية، وفي ساحات الوغى، كان الفارس الذي لا يتخلف، شجاعةٌ تلبس الحكمة، وقوةٌ تتواضع لله، زواجه من فاطمة لم يكن قراناً عادياً، بل تأسيس لبيت النبوة، منارةً للإسلام وامتداداً له.
“علي” كان الميزان، بلغ ذروته في إعلان “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”.
شخصيته الفريدة، جامعة، تجسيد للحق في كل أحواله، لم ينفصل فيها الإيمان عن العمل، ولا الشجاعة عن العدالة. “علي مع الحق والحق مع علي” و”يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله”.
حين تولى الحكم، لم يكن حاكماً، بل نبضاً يعيد التوازن، يذكر بسنة النبي لا ليزين القول، بل ليصحح الواقع، كانت وصاياه بلسمًا للنفوس، تلامس قلق الأيام، لا يعظ كمتسلط، بل يداوي كإمام يقظ.
وفي الحروب المفروضة، لم يتخل عن منطق الدعوة، فلم يرَ الحرب غاية، بل آخر الدواء، والنصر لديه لم ينفصل عن الهداية.
صفاء روحه، وبراءته من الالتفاف، جعلاه هدفاً للمكر السياسي. لم يقتل لخطأ، بل لصدقٍ فاق احتمال زمنٍ يرتع فيه الدسائس. وجاءت نهايته على قدر بدايته؛ لم يُغتَل في قصر، بل في محراب المسجد، وهو ساجد، لتعلن سيرته أن هذا الرجل لم يفارق المحراب حتى وهو يحكم.
حياة بدأت من رحم الكعبة، حيث التوحيد الخالص، وانتهت في محراب المسجد، حيث الخضوع المطلق، مسارٌ لم ينكسر، فكان استشهاده ليس نهاية، بل ميلاد حضور أبقى من الزمن.
سلام على “علي” مباركاً في حياته وبعد مماته.




