مهندس الثقل السياسي وعقل الإطار التنسيقي..!
ناجي الغزي/كاتب وسياسي ||

حين يُراد فهم ما يجري اليوم داخل الإطار التنسيقي، لا بد من العودة بوعيٍ بارد إلى لحظة مفصلية يحاول كثيرون تجاوزها بالنسيان المتعمد*انتخابات 2021* تلك الانتخابات لم تكن مجرد استحقاق دستوري، بل كانت اختباراً قاسياً كشف الأحجام الحقيقية، وعرّى هشاشة قوى كانت تعتقد أن نفوذها راسخ وغير قابل للاهتزاز.
النتائج يومها كانت صادمة للجميع تقريباً. قوى سياسية كبرى انهارت أوزانها الانتخابية بصورة غير مسبوقة. من كان يمتلك عشرات المقاعد تقلص حضوره إلى أرقام رمزية، ومن كان يملأ المشهد ضجيجاً لم يبقَ له سوى أثرٍ باهت. وسط هذا الانكسار العام، برز استثناء واضح لا يمكن إنكاره، ائتلاف دولة القانون الذي حافظ على ثقله بواقع (38) مقعداً، في لحظة كان الثبات فيها بحد ذاته إنجازاً سياسياً.
لكن الأهم من الأرقام، هو ما تلاها
ففي الوقت الذي كانت فيه القوى المتراجعة تبحث عن مخارج نفسية قبل السياسية، ظهر الدور الحقيقي لرجل دولة يعرف كيف تُدار الأزمات لا كيف تُستثمر شعاراتها. السيد* نوري المالكي* لم يكن مجرد طرف فائز نسبياً، بل تحوّل إلى جامع للثقل الشيعي، ومهندس لإعادة التوازن، والعقل الذي فكّر نيابة عن الجميع حين عجز كثيرون عن التفكير.
لم يكن تشكيل الثلث الضامن حدثاً تقنياً أو نتاج صفقات عابرة، بل كان ثمرة قراءة دقيقة للمشهد، واستثمار هادئ في ما تبقى من القوة، وإدارة ذكية للخسارة قبل إدارة النصر. التفّت القوى حول المالكي لا بدافع المجاملة، بل لأن لحظة الانكشاف كانت تحتاج إلى خبرة، وإلى شخصية قادرة على الوقوف وسط العاصفة دون ارتباك.
ومن دون هذا الدور، لا يمكن الحديث بجدية عن الثقل الحالي للإطار التنسيقي، ولا عن موقعه التفاوضي، ولا عن حضوره في معادلة الدولة. كثير من المقاعد التي يُتحدث عنها اليوم، وكثير من الأصوات التي تتكلم بثقة، ما كانت لها وجود لولا ذاك الصمود السياسي، وذلك النفس الطويل في إدارة المرحلة الأخطر.
إن الوفاء في السياسة ليس قيمة أخلاقية مجردة، بل معيار قوة ونضج واستمرارية. ومن يخطئ في قراءة هذه الحقيقة، أو يتعامل معها كترفٍ عاطفي، يضع نفسه على طريق التفكك الذاتي. فالجحود السياسي لا يطيح بالأشخاص، بل يهدم البُنى التي تحتمي بهم.
واليوم، فيما تقف الدولة العراقية أمام تحديات اقتصادية وسيادية معقّدة، في ظل الاحداث الإقليمية والدولية المتسارعة، يصبح السؤال الحقيقي: هل نملك ترف تجاهل الخبرة؟ وهل يجوز القفز فوق من أثبت قدرته على إدارة الدولة في أصعب ظروفها؟
المالكي، بما له وما عليه، لم يكن مجرد اسم في معادلة، بل كان العقل المفكر للإطار، والمهندس الذي أعاد ترتيب أوراقه، والركيزة التي استند إليها هذا الثقل. وهذه ليست رواية دعائية، بل خلاصة وقائع لا يمكن محوها بالخطاب أو التمني.
في السياسة، كما في التاريخ، من لا يعترف بمن صنع لحظة الإنقاذ، يُعاد اختباره عند أول أزمة… وغالباً لا ينجح.




