حين ينتصر المظلوم..!
علي جاسب الموسوي ||
30/12/2025

﴿وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾
في 30 كانون الأول2006 هو يوم فرح وسرور ، لا يُستذكر سقوط رجل، بل انكشاف نموذج حكم قام على مشروع القهر لا على عدل الدولة .. الطاغية صدام التكريتي لم يكن حاكما وطنيا، بل ممثلا صارخا لسلطة سلطانية إقصائية حكمت العراق بمنطق النار والحديد، واستندت إلى قراءة مذهبية مسيسة جعلت الشيعي خطرا، والكردي تمردا، والإنسان مشروع اشتباه دائم.
حكم صدام بعقيدة أمنية مطلقة: الدولة ملك، والسلطة سيف، والمجتمع متهم .. فتم ابادة الشيعة في الوسط والجنوب، ودُفنوا في مقابر جماعية واحواض تيزاب ومثرامات وحرق وتفنن بتعذيبهم ، لا لذنب سوى انتمائهم وهويتهم .. وتعرض الأكراد لحملات الأنفال، جوعا وقتلا وتهجيرا، لأنهم رفضوا الذوبان في دولة تُدار بالخوف لا بالشراكة.
هذه ليست أخطاء حكم، بل منهج دولة؛ دولة رأت في التعدد تهديدا، وفي العقيدة الشيعية خطرا وجوديا، وفي السلاح وسيلة إدارة .. وهنا تعمل السنة الإلهية بلا استثناء:
الظلم إذا تحول إلى نظام، عجل بزواله.
والقهر إذا صار هوية، دمر صاحبه قبل خصومه.
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام:
(إنّ الله سبحانه جعل العدل قوامًا للأنام)
فكان الجور هو اللغة، وكانت الخاتمة سقوطا بلا أسف.
ويبقى ميزان كربلاء هو القول الفصل للحسين روحي فداه
(هيهات منّا الذلّة)
فبهذا الموقف سقطت كل سلطات السيف، وبقي دم المظلوم هو الحاكم الأخير في سجل التاريخ.
إضافة الى ذلك بعد 9/4/2003 والمقارنة مع هو النموذج السوري:
بعد الخلاص من الطاغية، كان بوسع الشيعة ( وهم الغالبية الساحقة في هذا العراق ) أن ينفردوا بالسلطة ويتم اقصاء غيرهم، لكنهم اختاروا طريقًا آخر: الشراكة لا الغلبة، والدولة لا الانتقام .. فتحوا الباب للسني والكردي ليكون شريكا في الوطن، في رغيف الخبز، وفي القرار، وفي الموازنة، لأنهم يستندون إلى منطقٍ قرآني وإسلام محمدي أصيل، ويتكئون على عقيدة علوية وأئمة أطهار لا تعرف روح الإقصاء.
وعلى الضفة الأخرى، يكشف النموذج السوري اليوم خطورة الحكم حين يُدار بلسان الغلبة الطائفية لا بميزان الدولة .. فما يجري بحق العلويين ليس محاسبة أفراد، بل إقصاء جماعي أعمى؛ يُدان فيه الإنسان لمجرد انتمائه، ويُقصى بلا تحقيق ولا عدالة، وكأن الهوية بذاتها جريمة .. هذه الروح الطائفية لا تبني دولة ولا تحقق استقرارا، بل تُعيد إنتاج الطغيان بوجه آخر ..
نعم، قد يُخطئ فرد، لكن العقاب الجماعي هو تعريف الظلم .. وهنا يظهر الفارق بوضوح: كان بوسع الشيعة في العراق أن يقصوا السنة، لكنهم لم يفعلوا، لأنهم — كما قال المرجع الأعلى السيد السيستاني (دامت بركاته) ( إخوتنا وأنفسنا) وحين سقط ثلث العراق بيد عصابات داعش، لم تُحرر الأرض بدافع طائفي، بل بدافع وطني وأخلاقي؛ أبناء الوسط والجنوب من الشيعة حرروا أرض إخوتهم السنة، وحموا أعراضهم وديارهم، لأنها حُرُماتهم كما هي حُرُماتهم .. هذا هو الفارق بين من يحكم بمنطق الإقصاء، ومن يحكم بعقيدة ترى الإنسان قبل العنوان، والدولة قبل الغلبة.
ختاما مبارك لكم الذكرى السنوية لاعدام الطاغية صدام التكريتي .




