ليل الصابرين.. في حقبة البعث الزنيم..!
كوثر العزاوي ||

ياليل طال دجاكَ أمسى معتَمِ
متى الصباح! قلوبنا تتضرّمِ*
كم فرقدٍ في جُنحِ ظلمتكَ اختفى!
أفلَتْ شموس وتوارت أنجم*
كم من وجوهٍ مشرقاتٍ غُيِّبت!
تحت الثرى في شدّةِ العَتِمِ*
كم من جفونٍ حالماتٍ أُسبِلتْ
قهرًا بحدِّ السوطِ كَدْمًا ودمِ*
كمٍّ وكم ياليل رفقًا لاتزِدْ
فإلامَ تبقى تستبيحُ وتُرغِمِ*
شتّى هي الآلامُ تغمرُ أفقنا
وربوعنا ترنو لطُهرِ المَقدَمِ*
والكونُ معترَكٌ يموجُ سفينهُ
والناس بين مخادعٍ ومسالمِ*
والمرء يلقى خلَّهُ متنكّرًا
وإنِ ارتجاهُ لبعضِ شأنٍ يسأمِ*
تاهت وفي زحمِ الظلام شمائل
للبرِّ ياأسفًا وضاعت قيَمِ*
ياليت شعري! أيُّ يومٍ ينجلي
ليلٌ ويُسفِرُ صبحنا المترنّمِ*
صبرًا، فوعدُ اللهِ حقّ لازمُ
وبفيض نور الله حتمًا نَنعَمِ*
ولن يدومَ ظلام غيٍّ في الدنى
حتى وإن طال الدجى يتصرَّمِ*
******
كُتِبَت هذه السطور المتواضعة في مثل هذه الأيام من عام [١٩٩٠] علمًا لست بشاعرة إنما هي آهات وشقشقات من وحي الغربة والألم، جادت عليّ قريحتي متفضّلة عندما كنا نعيش ضنك العيش كالغرباء والشمس مذبوحة في بلادنا،
وللتوّ كنت قد خرجت من السجن بعد سنين عجاف والبيت ينعى الأب والإخوة والشريك والصديق، فلا جار ولا ذي رحم يخفف من وطأة الظروف، ويعزّز من شعور الأطمئنان ويقلص شعور الألم وحرارة الفقد، إذ كثير من رفاق الدرب وإخوة العقيدة مغيّبون مجهولوا المصير، إلّا بقيةٌ من أهل، أمّ ثكلى وأخ وأخت قاصرَين، وكان الغالب على البلد آنذاك الرعب وخنق الأنفاس وانتزاع الحريات،
حيث كل حركة تحت مجهر أزلام الرعب الصداميّ، وكل شيء ضمن دائرة الشك إلّا مارحِم الله، لذا لم يكن آنذاك من أنسٍ ولا سلوة سوى كتاب الله الكريم، وبعض ما تبقى من كتب الأدعية وكتاب نهج البلاغة لسيد الموحدين فهي وسيلة ثباتنا وتثبيت أفئدتنا، بعد أن كانت مكتبتنا عامرة بما يثري العقل ويهدهد الوجدان، فمنها من صودر ومنها من دُفن في الأرض حفاظًا عليها من التدنيس لو طالتها أيادي أزلام البعث، لئلّا يجعلوا منها ذريعة للإدانة كما هي سياستهم الخرقاء، حيث أُعتقل المئات من الشباب بهذه التهمة، -حيازتهم كتبًا دينية محظورة- لمجرد انها تحمل أسم كاتب إسلاميّ يشكّل خطورة على مُلكهم الدموي كما يظنون.
ومن هذا المنطلق ولله الحمد، استطعنا أن نحتفظ ببعض ماجاد به القلم أيام الصبر والقمع، ولكن بفؤاد مثقَل وإرادة لن تلين وأمل غير منقطع، وكان السلاح الذي لم ولن يتمكن أزلام البعث النيل منه رغم وحشية التعذيب ومعاناة السجن، ولكنّ الله سلّم، فالأمر والخلق له والحمد لله على جميل بلائه.
وتلك سطور وغيرها رغم بساطتها لكنها الشاهد الأمين على الظلم، بقلم حيّ خبَرَ نبض الواقع المرّ، وسبر غور خفاياه، وتجرّع غصَصهِ ومازال عزيزًا شامخًا متحديًا عقباته بحول الله وقوته، إنها شقشقات الزمن اللّا جميل، فمن يظن العكس فذلك الظلم بعينه.
كتبت في
١٧-رمضان-١٤٤٥هـ
٢٨-آذار- ٢٠٢٤م




