وقفة مع العامِ الجديد..!
كوثر العزاوي ||

عامٌ أوشك على الإدبار وقد تصرَّم، وآخرُ جديدٌ يُقبِل بخطاه المجهولة، ونحن واقفون بين زمنٍ انقضى وآخر لم يُكشَف سَتره بعد، لا ندري ما اللهُ صانعٌ فيما هو آتٍ إلينا، ولا ما قضاه بحكمتهِ فيما مضى من أعمارنا وأيامنا.
غير أنّ اليقين يبقى: أنّ ما اختاره الله وما يختاره هو الخير والصلاح، وإن خفيَ أمره فرحمةً وعدلًا وتدبيرًا، فلا نملك إلّا التسليم لما قضى الله “جلّ وعلا”، آملين عفوه، راجين خيره وحسنَ تدبيره “عزوجل”.
فكلما أقبلَ عام نقص من أعمارنا عام آخر، وتلك حكاية الإنسان في الدنيا، إذ لايفقهُ ماوراء العمر في تقلّبه من حال الى حال إلّا الله والراسخون في العلم .
ترى! ما معنى عام جديد يُحتفى به؟
أهوَ بداية قصة جميلة نرغب في عيشِ تجاربها، ونتطلّع خوض غمارها لحظة بلحظة ونَفَسٍ بنَفَس؟. أم إنّه قصة منتهية نتمنى مغادرة محطاتها بحلوها ومرّها؟!
الواقع، إنّ كل سنة جديدة بالنسبة لنا هي أشبه بالطريق التي نسير فيها، وهذه الطريق تتخللها منعطفات ومحطات، منحنيات وتعثرات، ولكلّها نهاية وانقضاء، ومهما تكون نهايتها، علينا أن نسلّم، بأنّ ثمة سنة جديدة، وطريق لابد من اجتيازها بمقتضى التقدير الإلهي.
ورغم المصائب والانتكاسات، يبقى التفاؤل والثقة بالله تعالى والتسليم له، لَمِن أقوى السلاح الذي يمكن أن يستعين به المرء على مواصلة طريق مسير العمر.
والمغبون مَن باع شيئًا منه -العمر- بأقلّ من ثمنهِ، أو اشترى شيئًا بأكثر من ثمنهِ، فليس ثمة مايليق بالعمر إلّا الجنة.
فقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ “عليه السلام” توجيه وعِظة: {احذروا ضياع الأعمار فيما لا يبقى لكم، ففائتُها لا يعود}!
ثمة إشارة في قوله “عليه السلام” تُنذر مِن خطر التفريط في الأوقات والأنفاس لكونهما رأس مال العبد، مقابل فرصة الأعمال الصالحة ليومٍ لامناص منه، وضرورة الإلتفات الى أنّ أنفاسنا الّتي تمثّل العمر، إنما قدَّرها الله “عزّ وجلّ” لنا بأجل معدود وهي من الغيب، فلا ندري متى تنقضي وتنتهي الآجال ولاتَ حين مندم!،
يقول إمام المتقين “عليه السلام”: “نَفَسُ المَرء خُطاهُ إلى أجله”.
من هنا، يصبحُ لزامًا على كل ذي بصيرة، أن يحرص على توجيه بوصلته مع إطلالة كل عام جديد بل كل يومٍ جديد، لتنظيم نفسه وإعادة حساباته، مُرسِلًا نظرات ناقدة في جوانب النفس، ليتعرّف على عيوبها وآفاتها وإخفاقاتها، وأن يضع خطة عملٍ على المدى الطويل ليتخلّص من علائق الشرور والفساد المحدقِ بها.
فالنفس يُلزِمها بعد كل مرحلة تقطعها من الحياة، أن تعيد النظر فيما أصابها، وأن تُرجِع إليها توازنها واعتدالها كلما زلزَلَتها الأزمات، وهزّتها نِزاعات أهل الارض من شياطين الأنس والجنّ، في دنيا تموج بالصراعات!.
ولا بأس أن يثقَ الإنسان بنفسه كإنسان ذو مبادئ وغايات ومَلَكات ونِعمٍ جمّة لاتحصى، بأنه قادر على الوصول الى معرفة الهدف من وجوده والوصول إليه، فهو جدير بأن يجعل من كل عام جديد بداية جميلة هادفة محورها الله “عزوجل”.
وما على الإنسان إلّا العمل بالتكليف المنوط به بكل استقامة وأمانة، فهو فقط من يعرف موازين نفسه ويدرك حجمها، فالله”عزوجل” يقول: {بَلِ الإِنسَانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَة وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} القيامة-١٤-
والنتائج على الذي بيده الموت والحياة وهو على كل شيء قدير.
٧-رجب الأصب-١٤٤٧هـ
٢٨-تشرين ثان-٢٠٢٥م




