الثلاثاء - 16 يونيو 2026

الوصاية والسيادة: نقيضان في معادلة السياسة العراقية..!

منذ 6 أشهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

✍🏼كيان الأسدي ||

من يتأمل المسار السياسي في العراق، منذ حقبة حكم طاغية العصر صدام حسين وصولًا إلى الحكومات المتعاقبة بعده، يدرك بوضوح أن الفاعل الحقيقي في كثير من مفاصل القرار لم يكن الإرادة الوطنية الخالصة، بل الوصاية الأمريكية التي أحكمت قبضتها على مقدّرات العراق وثرواته، ظاهرًا حينًا وخفيًّا أحيانًا أخرى. فهذه الوصاية لم تكن حدثًا طارئًا أو نتيجة ظرف استثنائي، بل نتاج مسار طويل من الهيمنة السياسية والاقتصادية والأمنية.

ويذهب بعضهم إلى الفصل بين مرحلتين: ما قبل عام 2003 وما بعده، معتبرين سقوط النظام السابق نقطة تحوّل حاسمة في طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة. غير أن هذا التقسيم، وإن كان يعكس تغيرًا في الشكل والبنية الداخلية للنظام السياسي، إلا أنه يغفل حقيقة أن جوهر الهيمنة لم يتبدل.

ففي الزمن الذي يصفه بعض من تنقصه الكرامة بـ“الزمن الجميل”، والذي يراه آخرون زمنًا منقوص الكرامة، كانت الهيمنة الاقتصادية في أوجها؛ إذ كان النفط العراقي مرتهنًا بالكامل للإرادة الأمريكية، تتحكم في مسارات تسويقه وعوائده، فضلًا عن إخضاع الاقتصاد العراقي لمنظومة دولية تقودها واشنطن، وربط مصير البلاد بالبنك الفيدرالي ومؤسسات مالية عابرة للحدود.

وعندما أقدم النظام السابق، بعقلية المغامرة والتهور، على غزو الكويت، وجد العراق نفسه تحت طائلة حصار خانق وبنود الفصل السابع، فكان لذلك أثر بالغ في خنق الدولة والمجتمع معًا، وتجويع الشعب وإضعاف بنيته، حتى غدا العراقي مشغولًا بلقمة العيش والدواء والكهرباء بدل الانشغال ببناء الدولة وصيانة السيادة. ولم يكن ذلك الحصار سوى أداة إضافية من أدوات الهيمنة التي أحكمت الخناق على العراق باسم الشرعية الدولية.

وفي خضم هذه الوقائع، لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقوف إلى جانب الشعب العراقي، حتى في ذروة العداء مع نظام صدام حسين.

فعلى الرغم من التاريخ المثقل بالصراعات، والحرب الظالمة التي دامت ثماني سنوات وخدمت في جوهرها الأهداف الأمريكية وبتمويل عربي، فإن إيران قدّمت دعمًا إنسانيًا وسياسيًا للشعب العراقي، مميّزة بين النظام وشعبه، وهو موقف يحسب لها في سياق قراءة التوازنات الإقليمية آنذاك.

إن الارتهان للولايات المتحدة لم يولد عام 2003، بل هو امتداد لحقب متعاقبة جرى فيها تفريغ السيادة العراقية من مضمونها، ونهب الثروات، ووضع الملفات الحساسة بيد شركات ومؤسسات أمريكية، حتى بات همّ المواطن العراقي محصورًا في تأمين أبسط مقومات الحياة من ماء وكهرباء وخدمات، بينما تُدار ثروات بلده من خارج حدوده.

ورغم بروز تيارات وقوى سياسية مناهضة للهيمنة الأمريكية، ولا سيما تلك التي تمثلت بالمشروع المقاوم داخل العملية السياسية بعد عام 2003، إلا أن النفوذ الأمريكي ما زال حاضرًا بقوة في طيف واسع من التمثيل السياسي، لاسيما في الأوساط السنية والكردية، بل وحتى في بعض المكونات الشيعية، حيث تتنوع أدوات التأثير بين الترغيب تارة والضغط والتهديد تارة أخرى.

وهذا الواقع يجعل من الحديث عن سيادة كاملة مجرد شعار، ما دامت الأجواء العراقية مخترقة، والثروات خاضعة، والقرار السياسي مرتهنًا لإرادة خارجية.

إن السيادة الحقيقية لا يمكن أن تتعايش مع الوصاية، ولا يمكن للعراق أن ينعم بالأمن والاستقرار والسلام ما دامت هناك هيمنة فعلية وعملياتية على أرضه وسمائه وثرواته. ومن هنا، فإن مقاومة هذه الهيمنة، سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، تصبح ضرورة وطنية لا خيارًا أيديولوجيًا، إذا ما أراد العراق أن يستعيد قراره الحر ومكانته التي تليق بتاريخه وشعبه.