الجمعة - 15 مايو 2026

قراءة نقديّة لكتاب {إضاءات} لسماحة السيد حسين الصدر..!

منذ 5 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

ناجي الغزي /كاتب وباحث سياسي ||

يأتي كتاب إضاءات بوصفه الجزء السادس والثلاثين من موسوعة العراق الجديد، في سياقٍ لا يمكن فصله عن الذاكرة العراقية الثقيلة ولا عن التحوّل التاريخي الذي أعقب سقوط الدولة الدكتاتورية في زمن نظام صدام. إنّ هذا الجزء لا يُكتب بدافع المقارنة الظالمة بين حاضرٍ مفتوح على إمكانات الإصلاح وماضٍ مغلق على القمع، بل ينطلق من وعيٍ واضح بأن أي قراءة منصفة للعراق الجديد لا بد أن تبدأ بإدانة الماضي الاستبدادي الذي صادر الإنسان، وكمّم الكلمة، وحوّل الدولة إلى أداة خوف لا إلى إطار رعاية.

في هذا الإطار، لا يقدّم إضاءات نفسه كنصّ تشاؤمي أو مرثوي، ولا كحكم قاسٍ على الواقع العراقي الراهن، بل كجزء من مشروع ثقافي يسعى إلى ترسيخ الوعي بالتحوّل: تحوّل من دولة الفرد إلى دولة المجتمع، ومن الصمت القسري إلى حرية الكلمة، ومن الخوف الممنهج إلى إمكانية النقد العلني. فالكتابة هنا لا تنطلق من جلد الواقع، بل من الإقرار بأن العراق، رغم تعثّره، يعيش مرحلة تاريخية مختلفة جذرياً عن زمن القمع الشامل، حيث لم يكن النقد ممكناً، ولا الإصلاح متاحاً، ولا الاعتراف بالأخطاء مسموحاً.

ومن هذا المنطلق، تأتي مقالات الكتاب بوصفها ممارسة لحق لم يكن متاحاً سابقاً: حق الكلام، وحق المساءلة، وحق التنبيه إلى الخلل من داخل الدولة لا من خارجها. إن النقد الوارد في إضاءات لا يستهدف نفي منجزات ما بعد التحوّل، ولا يساوي بين نظام دكتاتوري مغلق ونظام سياسي مفتوح على التعدد، بل يسعى إلى حماية هذا الانفتاح من الانزلاق، وتحصينه بالقيم الأخلاقية التي غابت قسراً في العهد السابق.

كما أن إدراج الكتاب ضمن موسوعة العراق الجديد يؤكد أن المقصود ليس توصيف العراق بوصفه حالة فشل، بل توثيق مسار بناء لم يكتمل بعد. فالموسوعة، في جوهرها، مشروع ذاكرة ومسؤولية، لا مشروع إدانة شاملة. وهي تفترض أن النقد الصادق هو شرط الإصلاح، لا نقيضه، وأن الاعتراف بالخلل لا يعني إنكار الفارق التاريخي بين دولة استبدادية صادرت الحياة، ودولة ما زالت تتشكّل وسط صعوبات وتحديات جسيمة.

وعليه، فإن هذه القراءة النقدية لكتاب إضاءات تنطلق من مسلّمة أساسية، أن الماضي الدكتاتوري كان انحطاطاً أخلاقياً وسياسياً لا يجوز تبييضه أو الحنين إليه، وأن الحاضر مهما كثرت فيه الإخفاقات، يبقى فضاءً مفتوحاً للنقد والتقويم والإصلاح.

ومن هذا التوازن بالذات، تكتسب مقالات الكتاب قيمتها، بوصفها إسهاماً واعياً في بناء ثقافة نقدية داخل العراق الجديد، لا شهادة سوداء عليه.