من أكناف الإطار إلى طريق المطار… الوفاء صِفة الرجال..!
✍🏼كيان الأسدي ||

مع اقتراب ذكرى فاجعة مطار بغداد الأليمة، تعود الذاكرة مثقلةً بالحزن، لكنّها في الوقت ذاته مشحونة بالأسئلة الكبرى التي لا تهدأ.
فهذه الفاجعة لم تكن حدثًا عابرًا في سجلّ الألم، ولا مجرّد جريمة غادرة استهدفت قادة نصر وسيادة، بل كانت لمن يتأملها بعمق نقطة فاصلة، واختبارًا إلهيًا عظيمًا، يُقاس فيه صدق الثبات على النهج، ومدى الالتزام بفكر الشهداء القادة ومسيرتهم، لا سيما الشهيد القائد أبو مهدي المهندس، الذي لم يكن رجل مرحلة، بل كان مشروع دولة، وعنوان توازن، ورمز وفاء لا يشيخ.
لقد مثّل استشهاد أبي مهدي المهندس، مع رفيق دربه الشهيد القائد الحاج قاسم سليماني رضوان الله تعالى عليهما، امتحانًا قاسيًا لكل من ادّعى السير على خطهم، وحمل رايتهم، والدفاع عن مبادئهم.
فالشهداء لا يُقاس الوفاء لهم بكثرة الذكرى، ولا ببلاغة الخطب، وإنما بمدى ترجمة أفكارهم إلى قرارات، ونهجهم إلى مواقف، وتضحياتهم إلى سياسات عادلة تحفظ الدم وتكرّم من بذلوا أرواحهم.
وتأتي هذه الذكرى اليوم متزامنة مع استحقاق سياسي بالغ الحساسية، يتمثّل بوجوب حسم ملف مرشح رئاسة الوزراء. وهنا تكمن خطورة اللحظة، إذ لا يمكن فصل السياسة عن الدماء التي رُويت بها الأرض، ولا عزل القرار عن الأمانة التي تركها الشهداء. فمرشح رئاسة الوزراء ليس اسمًا يُطرح للمساومة، ولا ورقة تُحرق في بازار المصالح، بل هو انعكاس حقيقي لمدى الوفاء لنهج الشهيد القائد أبي مهدي المهندس، الذي كان يرى في رئيس الوزراء ركيزة أساسية لحماية مجاهدي الحشد الشعبي، وإنصافهم، وتحصينهم قانونيًا، وصون حقوقهم، وترسيخ وجودهم كمؤسسة وطنية ضحّت دفاعًا عن العراق وشعبه.
لقد كان أبو مهدي المهندس يؤمن بدولة قوية، عادلة، لا تجامل على حساب التضحيات، ولا تساوم على دماء الشهداء، دولة تحمي أبناءها الذين وقفوا بصدورهم العارية بوجه الإرهاب، وحفظوا كرامة الوطن حين تخلّى عنه كثيرون.
ومن هنا، فإن اختيار رئيس الوزراء يجب أن يكون قرارًا أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا، ووفاءً عمليًا قبل أن يكون توافقًا شكليًا.
وفي هذه الأيام، تصبح الذكرى جرس إنذار حقيقي، يذكّر من استغرقته الدنيا، وأغرته المناصب، وأثقلته الحسابات الشخصية، بأن الطريق الذي أوصلهم إلى مواقع القرار مفروش بتضحيات رجال عظام، وفي مقدمتهم الشهيد القائد أبو مهدي المهندس.
فليتذكّر الجميع أن أعين الشهداء شاخصة، وأن التاريخ لا يرحم، وأن الأمانة ثقيلة لا يحملها إلا الصادقون.
إن كنتم حقًا تعلنون الولاء لأبي مهدي المهندس، وتؤكدون الانتماء لنهجه ومسيرته، وتزعمون حمل أمانته، فأنصفوا أبناءه، وكونوا أوفياء لما كان يسعى إليه. وأنتم ـ بلا استثناء ـ كنتم الأقرب إليه، وعاصرتم مواقفه، وسمعتم كلماته، وشهدتم أفعاله، وتعرفون جيدًا ما كان يريده للعراق، وللحشد، وللدولة.
ذلك الرجل البصري الاستثنائي، الذي لولا حضوره وتضحياته، لما استقرت معادلة الحكم، ولما جلس كثيرون على كراسي المسؤولية، ولما أصبح بعضهم قادةً وأصحاب قرار.
رجل تجاوزت بصمته حدود الطائفة والحزب والمنطقة، وكان له فضل واضح على العملية السياسية برمتها، بسنتها وشيعتها وكردها، أحبّه من أحبّه، وناصبه العداء من ناصبه، لكنه بقي حقيقة راسخة لا يمكن القفز فوقها.
لقد حمى العملية السياسية في أحلك الظروف، وعزّز مفهوم التداول السلمي للسلطة، ودافع عن سيادة العراق وأمنه، وسعى إلى تحصين الدولة لا اختطافها.
ونال شرف الشهادة وهو في ديمومة عمله، محافظًا على هيبة الدولة وسمعتها، حريصًا على أن لا تضيع تضحيات الشهداء سدى. وحتى آخر لحظة من حياته، كان هو ورفيق دربه الحاج قاسم سليماني يعملان بصمت وإخلاص من أجل مصلحة العراق، وتقوية مؤسساته، ورصانة قراره، ويشهد على ذلك من عاصرهم ورافقهم، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء الأسبق السيد عادل عبد المهدي.
إن قادة الإطار التنسيقي اليوم جميعًا شهود على ما قدّمه الشهداء القادة، قادة النصر، لهذا البلد. ومن لم يصرّح بذلك علنًا، فهو لا ينكره في داخله.
ولسنا نطالبكم بالشعارات، ولا بالإكثار من الكلمات، بل نطالبكم بشيء واحد: أن تحفظوا هذه التضحيات في صميم صناعة القرار. فهناك، فقط هناك، يُمتحن الوفاء، وتُعرف معادن الرجال.




