بل أحياء…(الشهيد محمد رحمن كاطع السعيدي)..!
انتصار الماهود ||

هذه السطور التي نكتبها ليست سطوراً عادية لسيرة شخص ما، بل هي تعويذة حماية وتحصين ضد عاديات الزمان، قصص مشرّفة أرويها لأولادي، كي يعرفوا أن في بلادهم رجالا يحمونهم وان جار الزمان عليهم.
ميسان روح الجنوب، وصوت الماء بين القصب والبردي، أرض سمراء قوية أنجبت خيرة الرجال، أرض الخير الذي لا ينضب والكرم، الذي يمتد لكل مكان ميسان كريمة اكرمتنا بخيرة رجالها الذين قدمتهم فداء للعراق.
مقالي اليوم عن البطل محمد السعيدي الذي ولد في عام 1978 من محافظة ميسان، ولد في كنف اسرة طيبة الحسب والدين، تربى هو وإخوته على الصدق والشجاعة وعدم الخوف، زرع فيهم أبيه الغيرة على العراق، ليكبر ويصبح أبا عظيماً كوالده، ربّى أبنائه الخمسة الذي كان يحبهم كثيراً وسعى ليوفر لهم كل ما يحتاجونه رغم الظروف الراهنة.
ولأنه تربى على الإباء والكرامة، رفض أن يرى الإحتلال مستوطن في بلده، وآمن بأن وجود الأجنبي ليس خياراً يجب أن نتقبله، بل هو جسم غريب يجب التخلص منه، وهكذا قرر أن ينضم لصفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق، تلك الحركة الفتية التي كانت أيقونة لصمود العراقيين في وجه المحتل، وبالطبع من يسلك طريق المقاومة وهو مؤمن بها لن تكون حياته سهلة أبدا.
لقد تعرض محمد للاعتقال عدة مرات على يد قوات الاحتلال، أول مرة كان في عام 2005 وقد اودعته القوات الأمريكية في سجن بوكا سيء الصيت، ونحن نعرف جيدا قذارة تعامل المحتل مع الموقوفين في هذا المعتقل، وتحمل محمد جميع الظروف التي مرت به في بوكا صابراً قوياً لم يثنه أي شيء.
بعد اطلاق سراحه في عام 2006، لم تثنه سجون المحتل عن إكمال مسيرته في طريق المقاومة، بل زاد في عملياته مع رفاقه وهذا أدى لاعتقاله للمرة الثانية في عام 2009، بسبب نشاطه وانتمائه للمقاومة خرج في عام 2010، لأنه كان يسعى لتطوير المهارات القتالية التي يمتلكها بالفطرة، فقد تطوع في نفس العام بدورة الهندسة، فهو يدرك جيدا ما يواجهه العراقيون، وبالطبع لن يتحقق ما يريدون بالدعاء فقط، او بالشجب بل بالمقاومة المسلحة والقتال الشرس.
استمر محمد بجهاده حتى عام 2014، حين غارت خفافيش الظلام واحتلت المدن العراقية، لم يكن محمد ليبقى ساكناً، فتطوع ملبياً الفتوى المباركة للمرجعية الدينية الرشيدة، ليقفوا بقوة وبسالة بوجه داعش الإرهابي.
كان يرسم طريقه للشهادة بالبطولات والتضحية، وهو يتمنى بل يحسب يوماً بعد يوم لاستشهاده، لا تعرفون أي جنون يحمله هؤلاء الرجال، وما هو سبب عشقهم للشهادة، كيف لا يعشقونها وإمامهم وقدوتهم كان ثائرا على اعتى طاغية الحسين والعباس عليهما السلام، سادتي وأئمتي اللذان ثارا ضد طاغية العصر يزيد لعنه الله وقارعا المارقين واستشهدوا ليكونوا مثالاً ونبراسا نهتدي بهم.
آخر لحظة من حياة الشهيد ليست مميزة له فقط، بل لنا جميعا تلك اللحظة التي تفصل بين الحياة والموت، بين النسيان والخلود بين العار والعز، خلّد محمد إسمه في سجل الرجال وقدم روحه فداء للوطن، استشهد في قاطع الاسحاقي في الحادي عشر من حزيران عام 2014.
ها أنت ذا يا محمد، قد أديت ما عليك بشجاعة وتفان نعجز عن وصفها، فأنت كنت مؤمنا بأن لا حرية بلا تضحية ولا حياة بدون كرامة، وها أنت قدمت لنا روحك كي نحيا بعز وكرامة.
فسلام على روحك وعلى شجاعتك وعلى ايمانك وعقيدتك يا محمد والملتقى عند الحسين عليه السلام




