تجربة مادورو: درس في الندية لمواجهة الضغوطات الأمريكية؟!
بهاء الخزعلي ||

في الوقت الذي يُعيد فيه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو صياغة قواعد الاشتباك مع الإمبراطورية الأمريكية، بدأت تخفت أصوات بعض فصائل المقاومة العراقية تحت ذريعة الحاكمية الشيعية، على ما يبدوا أنهم غير قادرين على استلهام هذه التجربة الراسخة في أرض المعركة. مادورو، الذي تحوّل من رجل دولة إلى رمز للصمود اللاتيني، لم يكتفِ بالخطاب الثوري، بل بنى نموذجاً في المواجهة المباشرة مع واشنطن، مستنداً إلى ثلاث ركائز: سلاح الشعب، المقاومة الاقتصادية ، و الندية الدبلوماسية.
مادورو: حين يكون السلاح للشعب لا للدولة فقط
في كراكاس، لم يُحصر السلاح بيد المؤسسة العسكرية، بل أُنشئت مجاميع البوليفارية المدعومة شعبياً، التي تضمّ مئات الآلاف من المدنيين المدربين تدريباً عسكرياً، كردع أمريكي مباشر. هذه المجاميع ليست موازية للجيش، بل مكمّلة له، تُدار من خارج الدولة الرسمية، وتُستخدم كورقة ضغط سياسية عند كل أزمة. عندما حاولت واشنطن إسقاط مادورو عام 2019 عبر جوان غوايدو، لم تكن الطائرات الأمريكية تخشى الجيش فقط، بل كانت تدرك أن أي تدخل سيعني حرب شوارع طويلة مع مليشيات شعبية لا تُقهر بالقصف الجوي.
لماذا لم تحاول بعض فصائل المقاومة العراقية هذا الإستفادة من هذا النموذج بدل تجربة حصر السلاح بيد الدولة؟
الإجابة ليست عسكرية، بل سياسية. بعض الفصائل العراقية، رغم شعاراتها المقاومية، تُدار من داخل النظام السياسي الذي يتشارك فيه جميع أطياف الشعب العراقي.
هذه الفصائل، وإن رفعت شعارات “الموت لأمريكا”، لكنها على ما يبدو بدأت تثق بالوعود الأمريكية، ولأنها جزء من السلطة بدأت تفكر بأن ذلك يمنحها الشرعية الداخلية ويُبقيها في دائرة التحالفات الإقليمية.
بلغة أدق: بعض فصائل المقاومة العراقية لم تعد مقاومة، بل أصبحت جزءاً من منظومة الحكم. حين تحاول حصر السلاح بيد الدولة، أي تسليمه، لحكومة المحاصصة وضع تحت محاصصة ألف خط.
فقناعة البعض أن وجوده تحت مظلة “الدولة”. يعتبر تزكية له من الصاروخ الأمريكي إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية بالإعتداء، ونحن نعلم كم مرة الولايات المتحدة الأمريكية ضربت سيادة العراق بعرض الحائط، وكانت هذه الفصائل حينها جزء من منظومة الدولة.
أما الكارثة الأكبر : أن شركائنا في إدارة الدولة العراقية الحالية هم حلفاء للولايات المتحدة الأمريكية ، بل بعضهم لديه علاقات مع تركيا ويعمل لمصلحتها والبعض الآخر لديه علاقة مع الكيان الصهيوني، وحصر السلاح بيدها يعني تسليم المقاومة لعدوها.
الندية ليست شعاراً.. بل حساب استراتيجي
مادورو لم يُنتصر لأنه “رفض التفاوض”، بل لأنه فاوض من موقع قوة. عندما فتح قنوات حوار مع واشنطن، فعل ذلك وهو يمسك بثلاث أوراق: سلاح الشعب، دعم الجيش، وتحالفات دولية (روسيا، الصين، إيران). أما هذه الفصائل التي تريد أن تحصر سلاح المقاومة بيد الدولة بإعتبارهم جزء من الحكومة، ما هي أوراق قوتهم؟
فهم بهذا القرار…
1-يخسرون الدعم الشعبي لهم كمقاومة.
2-يخسرون وجودهم كقوة ضاربة مكملة للجيش العراقي.
3-يخسرون أهم تحالفاتهم خصوصاً أن مثل هذا القرار وتوقيته له تبعات غير محمودة تؤثر على محور المقاومة بشكل عام وعلى المقاومة اللبنانية بشكل خاص.
رسالة إلى تلك الفصائل التي تريد التخلي عن السلاح : لا تُسلّموا سلاحكم بل عوّموه إن كنتم تريدون ندية حقيقية مع الأمريكي، فلا تحصروا السلاح بيد الدولة، بل عوّموه في المجتمع. شكلوا مجاميع مسلحة شعبية مدربة على شاكلت الحشد الشعبي فذلك دستورياً وفق المادة 110 ثانياً من الدستور العراقي للحفاظ على الأمن القومي العراقي، أدعموا قانون الحشد الشعبي وصادقوا عليه، نسقوا بين الخطاب الرسمي والخطاب الغير رسمي وأستخدموا ذلك كورقة ضغط سياسية عند كل تجاوز أمريكي.
الخلاصة: مادورو انتصر لأنه لم يُسلّم السلاح.. أما أنتم، فإن سلّمتم سلاحكم، فلن تسلموا أو تسلم بلادنا من شر المخططات الصهيوأميركية.
التجربة الفنزويلية ليست نموذجاً اقتصادياً فحسب، بل نموذجاً في بناء قوة موازية للدولة. فإما أن تبقى المقاومة العراقية قوة شعبية مستقلة، لا تُفاوض إلا من موقع سلاحها الموجود في كل بيت، لا في مخازن وزارة الدفاع الأمريكية، أو ستضلون رهن التهديد الأمريكي.
ختاماً : في مشهد سينمائي لفلم أميركي بعنوان (Taken) للفنان ليام نيسون وهو يقف أمام صديقه الذي فارقه لسنوات وعندما أحتاجه أتضح أنه هو الخائن، في ذلك المشهد كان ليام يتفاوض مع صديقه دون أن يخبره أنه أكتشف الحقيقة وفي أول محاولة ضغط من ليام على صديقه قام صديقه بسحب مسدسه من الدرج وتوجيهه إلى وجه ليام، فأبتسم ليام وأخبر صديقه أنه كان يعرف أن مسدسه في الدرج فأفرغه من الرصاص، حينها قال له جملة غاية بالأهمية (على ما يبدو أن جلوسك خلف مكتبك السياسي وأنت ترتدي بدلتك الفاخرة أنساك وزن المسدس أن كان محشو بالرصاص أم لا).




