جون ويلسن ومارك سافايا: مشروع «تحرير العراق من إيران» بين الخطاب والوظيفة..!
✍🏼 كيان الأسدي ||

يطفو إلى الواجهة بين الحين والآخر خطاب أميركي قديم–جديد تحت عنوان (تحرير العراق من إيران) وهو خطاب لا يُطرح بوصفه توصيفًا لواقع معقّد بقدر ما يُستخدم كأداة سياسية لإعادة تشكيل المشهد العراقي بما يخدم مصالح خارجية وأطراف داخلية متقاطعة معها. وفي هذا السياق، يبرز اسم جون ويلسن، عضو الكونغرس الأميركي وصاحب أحد أبرز المشاريع التي تتبنى هذا العنوان، بوصفه واجهة سياسية لمقاربة أميركية تسعى إلى إعادة فتح الملف العراقي من زاوية النفوذ والصراع الإقليمي.
جون ويلسن لا يبدو مهتمًا بالعراق بوصفه دولة ذات سيادة بقدر اهتمامه بالعراق كساحة نفوذ قابلة لإعادة التوظيف. فمشروع (تحرير العراق من إيران) الذي يروّج له، يستند في جوهره إلى شبكة علاقات عراقية داخلية، تمتد جذورها إلى أطراف ما زالت تحنّ إلى شعارات (عودة الحكم إلى أهله)!، وتعمل منذ سنوات على ضرب العملية السياسية من الداخل، سواء عبر التشكيك بشرعيتها أو عبر السعي إلى تدويل أزماتها. ويأتي في مقدمة هذه الأسماء خميس الخنجر وغيره ممن يراهنون على دعم اللوبيات الأميركية بوصفه المدخل الأسهل لإعادة إنتاج نفوذهم السياسي.
هذه العلاقة بين الداخل العراقي وبعض مراكز القرار في واشنطن ليست وليدة اللحظة، بل هي جزء من مسار يسعى إلى خلق مظلة أميركية قادرة على فرض وقائع سياسية جديدة، أو على الأقل تعطيل أي استقرار لا يتوافق مع هذه الأجندات. فالعراق، بالنسبة لهذه الأطراف، ليس دولة ينبغي دعمها، بل ساحة ينبغي إعادة هندستها وفق موازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي هذا الإطار، جاءت تغريدة جون ويلسن على منصة «إكس» أثناء استقباله مارك سافايا، المبعوث الأميركي الخاص إلى العراق، لتكشف الكثير مما يُدار خلف الأبواب المغلقة. ففي التغريدة، عبّر ويلسن عن «سعادته باستضافة سافايا في اجتماع هام بشأن العراق»، مؤكدًا تطلعه للعمل معه من أجل «تحقيق الازدهار للعراق وتحريره من إيران»، وواصفًا إياه بالشخص الأنسب للعمل على هذه القضية لصالح الرئيس دونالد ترامب.
غير أن هذه اللغة، التي تبدو في ظاهرها حرصًا على «ازدهار العراق»، تخفي في باطنها تصورًا أميركيًا وظيفيًا للدولة العراقية، حيث يُختزل الازدهار في فكّ ارتباط سياسي قسري مع طرف إقليمي، دون الالتفات إلى تعقيدات الواقع العراقي أو إلى كلفة هذا الصراع على الداخل. فـ«التحرير» هنا لا يُعرَّف وفق إرادة العراقيين او مفترض ان يكون نتيجة أحتلال مزعوم، بل وفق رؤية مراكز النفوذ في واشنطن وحلفائها المحليين.
الأخطر في هذا الخطاب أنه لا يتعامل مع العراق ككيان مستقل، بل كساحة تصفية حسابات. فاستبدال نفوذ إيراني كما يزعمون بهيمنة أميركية، أو ربط الاستقرار العراقي بإرادة خارجية، لا يعني تحريرًا بقدر ما يعني نقل الوصاية من طرف إلى آخر. كما أن لأميركا الوصاية الكاملة على العراق منذ زمن طويل، والاعتماد على شخصيات جدلية ومبعوثين مثيرين للشكوك، يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة المشروع وأدواته الحقيقية.
في المحصلة، فإن مشروع «تحرير العراق من إيران» كما يُطرح اليوم، لا يبدو مشروعًا وطنيًا ولا إصلاحيًا، بل عنوانًا فضفاضًا لتدخل سياسي جديد ورسم لخارطة الهيمنة السياسية والاقتصادية بحلتها الجديدة، تُستخدم فيه الشعارات الكبيرة لتبرير سياسات تعيد العراق إلى دوامة الصراعات والارتهان الخارجي. وبين جون ويلسن، ومارك سافايا، وحلفائهما المحليين، يبقى السؤال الجوهري: هل المطلوب حقًا تحرير العراق، ومن هو الاحتلال الحقيقي، وماذا لو طرح مستشار إيراني مشروع تحرير العراق من أميركا؟




