وفرة الموارد وعجز القرار: لماذا يدفع العراقي ثمن فشل الإدارة .؟
طه حسن الأركوازي ||

لم يكن ما يعيشه العراقي اليوم نتاج ظرف طارئ أو أزمة عابرة يمكن أختزالها في عامل خارجي أو حدث مُفاجئ ، بل هو نتيجة مسار تراكمي طويل تشكّل عبر سنوات من أختلال القرار العام ، وغياب الرؤية الوطنية الشاملة ، وتقدّم المصالح الضيقة على حساب فكرة الدولة الجامعة .
هذا المسار بما حمله من أرتباك في الأولويات وتراجع في التخطيط ، قد أنعكس مُباشرة على حياة المواطن ، وأفقد الدولة قدرتها على تحويل إمكاناتها الكبيرة إلى منجزات ملموسة .
في مدن لم تتعافَ بعد لا تزال الشوارع تحكي قُصص الإهمال أكثر مما تروي آثار الحروب ، ويعيش المواطن تفاصيل يومية قاسية وهو يبحث عن أبسط حقوقه في وطن يمتلك من الموارد ما يؤهله للرخاء والاستقرار .
فالعراق ، بطبيعته الاقتصادية والجغرافية ، ليس بلداً فقيراً ولا محدود الإمكانات ، لكنه يعاني من ضعف في إدارة هذه الإمكانات وتوجيهها نحو الوجهة الصحيحة .
حيثُ تشير تقارير مؤسسات دولية معنية بالتنمية والحوكمة الرشيدة ، وفي مقدمتها “البنك الدولي وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي” ، إلى أن العراق لايفتقر إلى الموارد أو الكفاءات البشرية ، بقدر ما يواجه تحديات بنيوية في الإدارة العامة ، والتخطيط طويل الأمد ، وبناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة ، فبلد يمتلك أحتياطيات نفطية ضخمة ، وأراضي زراعية واسعة ، وموارد لا تُعد ، وموقعاً جيوسياسياً محورياً ، لا يفترض أن يعجز عن توفير خدمات أساسية مستقرة أو فرص عمل لائقة لشبابه ، غير أن الواقع اليومي يكشف فجوة واضحة بين ما هو متاح وما هو متحقق فهُناك “شباب مؤهلون يقفون على أبواب البطالة ، وعوائل تعيش تحت ضغط معيشي مستمر ، وخدمات تتسم بعدم الاستقرار ، ومُدن تُدار بعقلية أحتواء الأزمات لا بعقلية بناء الدولة” ، هذا الواقع لم يتشكل صدفة ، بل كان حصيلة سياسات قصيرة النظر ، تحوّل فيها القرار العام في كثير من الأحيان ، من أداة لخدمة الصالح العام إلى وسيلة لإدارة التوازنات السياسية وتحقيق مكاسب آنية ، على حساب التخطيط الاستراتيجي والمصلحة الوطنية بعيدة المدى .
تُظهر دراسات صادرة عن مراكز أبحاث دولية أن الدول الخارجة من الأزمات والصراعات تحتاج إلى إعادة صياغة علاقتها بين الدولة والمجتمع عبر ما يُعرف بـ«العقد الاجتماعي الجديد»، القائم على الكفاءة والمساءلة والعدالة في توزيع الموارد . تجارب دول مثل “ألمانيا” بعد الحرب العالمية الثانية ، و”كوريا الجنوبية” بعد الحرب الكورية ، وتشيلي بعد التحول الديمقراطي، تقدم نماذج مختلفة لكيفية تحويل الأزمات العميقة إلى مسارات نهوض مستدامة.
في “المانيا” ، لم يكن الدمار أقل قسوة ، لكن إعادة بناء المؤسسات ، وأعتماد الإدارة الرشيدة ، والفصل الواضح بين السياسة والاقتصاد ، أسست لنهضة أقتصادية عُرفت بـ«المعجزة الألمانية» .
وفي “كوريا الجنوبية” ، شكّل الاستثمار في التعليم ، والانضباط المؤسسي ، ومحاربة الفساد ، حجر الأساس للانتقال من دولة متلقية للمساعدات إلى واحدة من أكبر الاقتصادات الصناعية .
أما في “تشيلي” ، فقد ساهمت الإصلاحات المؤسسية والاقتصادية المُتدرجة ، إلى جانب تعزيز أستقلالية المؤسسات ، في أستعادة ثقة المواطن بالدولة رغم التعقيدات السياسية .
هذه التجارب لا تُنقل حرفياً إلى الحالة العراقية، لكنها تؤكد حقيقة واحدة : “أن الإدارة الواعية والقرار الرشيد قادران على تحويل الموارد ، مهما كانت محدودة أو وفيرة ، إلى قوة تنموية حقيقية” ، وفي المقابل فإن غياب الرؤية وتغليب الحسابات الضيقة كفيل بإهدار أعظم الثروات .
في الحالة “العراقية”، لا يزال التحدي الجوهري مُتمثلاً في أزمة إدارة أكثر منه شحاً في الموارد ، فحين تُدار الدولة بمنطق الغنيمة ، يصبح المواطن الحلقة الأضعف ، وتتحول الخدمات العامة إلى ملفات تفاوض ، وتتراجع الأولويات الوطنية أمام ضجيج الخلافات السياسية ، هذا الواقع لا يمكن تجاوزه بحلول ترقيعية أو إجراءات مؤقتة ، بل يتطلب مراجعة جادة لمنهج التفكير في الحكم ، تبدأ بالتحرر من منطق “المحاصصة” ، وتعزيز معيار الكفاءة والنزاهة والمهنية ، وإصلاح منظومتي “التخطيط و الرقابة” ، وترسيخ مبدأ المُحاسبة ضمن الأطر الدستورية والقانونية .
ومع كل ذلك ، لا يخلو المشهد العراقي من نقاط ضوء ، فهُناك مُؤسسات ما زالت تعمل بمهنية ، وأفراد يؤدون واجباتهم بصمت ، وكفاءات وطنية لم تفقد إيمانها بإمكانية الإصلاح ، هؤلاء يمثلون الرصيد الحقيقي لأي مشروع وطني قادم ، وهم الدليل على أن العراق لم يفقد قدرته على النهوض ، بل يحتاج إلى إدارة تحسن أستثمار هذه الطاقات .
أخيراً وليس آخراً .. إن الرسالة الموجهة إلى الطبقة السياسية والحكومات المُنبثقة منها ، اليوم ينبغي أن تكون واضحة وهادئة في آن واحد “فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من الوعود أو الخطابات ، بقدر ما يحتاج إلى التزام فعلي بإدارة رشيدة ، ورؤية وطنية تتجاوز الحسابات الآنية ، وتضع مصلحة الدولة فوق كُل أعتبار” ، فالتاريخ لا يُكتب بالشعارات ، بل بالقرارات ، وتجارب الدول تؤكد أن الشعوب قد تصبر طويلاً ، لكنها لا تنسى .
إن العراق ليس بلداً محكُوماً بالفقر أو العوز ، بل بلداً أُنهك بسوء الإدارة وتشتت القرار ، وأستعادة عافيته ليست حلماً بعيد المنال ، فمتى ما توفرت الشجاعة للأعتراف بالأخطاء ، والإرادة السياسية لتصحيح المسار ، والإيمان الحقيقي بأن هذا الوطن يستحق أن “يُدار بعقل الدولة لا بعقل المصالح الضيقة” ، فالإصلاح ليس ترفاً سياسياً ، بل ضرورة وطنية مُلحة ، ومسؤولية تاريخية ، وفرصة ما زالت قائمة قبل أن يدفع العراقي ثمناً أثقل مما دفعه حتى الآن …!




