الثلاثاء - 16 يونيو 2026

التكهّن بمواجهة إيرانية – إسرائيلية جديدة: معادلات الردع وحدود التصعيد..!

منذ 6 أشهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

✍🏼كيان الأسدي ||

يظل الحديث عن مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل – والتي يُطلق عليها في الخطاب السياسي والأمني الإسرائيلي توصيف (الجولة الثانية) محاطًا بدرجة عالية من الالتباس والتعقيد، في ظل تشابك العوامل العسكرية والسياسية والإقليمية التي تتحكم بسلوك الطرفين. فالمشهد الراهن لا يوحي بقرب اندلاع حرب شاملة، بقدر ما يعكس حالة من الترقّب الحذر، تحكمها حسابات الكلفة والعائد، لا اندفاعات القوة أو نزعات المغامرة.

إن صعوبة التكهّن لا تعود إلى غياب مؤشرات الصراع، بل إلى تحوّل طبيعة الصراع ذاته. فالمواجهة لم تعد محكومة بمنطق الضربة الأولى، بل بمنطق توازن الردع وحدود التصعيد، حيث بات كل طرف يدرك أن أي انزلاق غير محسوب قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها.

أحد أبرز العوامل التي أعادت رسم معادلة الردع يتمثل في التطور النوعي الذي حققته إيران في مجال القدرات الصاروخية، سواء من حيث المدى، أو الدقة، أو القدرة على تجاوز منظومات الدفاع الجوي المتقدمة. لم يعد هذا التطور مجرد ورقة ضغط سياسية أو أداة تهديد إعلامي، بل تحول إلى عنصر ردع فعلي فرض وقائع جديدة على الأرض، وأثبت أن العمق الإسرائيلي بما في ذلك تل أبيب ومراكز القرار والبنية التحتية الحيوية – لم يعد بمنأى عن الاستهداف.

وقد شكّل هذا التحول صدمة استراتيجية للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية، التي قامت عقيدتها العسكرية، تاريخيًا، على مبدأ نقل المعركة إلى أرض الخصم، وتفادي تحمّل أعباء الحرب داخل جغرافيتها الضيقة والهشة ديموغرافيًا واقتصاديًا. اليوم، تجد إسرائيل نفسها أمام واقع مغاير، حيث لم تعد السيطرة الجوية أو التفوق التكنولوجي كفيلين بتحييد خطر الضربات الصاروخية واسعة النطاق.

في المقابل، كشفت المواجهة السابقة عن ثغرات بنيوية في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية، وأظهرت محدودية قدرتها على توفير مظلة حماية شاملة، على عكس ما جرى تسويقه لسنوات بوصفها أنظمة شبه منيعة. هذا التراجع في الفاعلية الدفاعية لم يعد مجرد إشكال تقني، بل تحوّل إلى تحدٍّ استراتيجي مركزي أمام صناع القرار في تل أبيب، إذ لا يمكن لإسرائيل خوض حرب جديدة، خاصة مع خصم بحجم إيران، دون ضمان حدٍّ أدنى من حماية الجبهة الداخلية، أو على الأقل القدرة على تقليص الخسائر إلى مستويات مقبولة سياسيًا واجتماعيًا.

وفي هذا السياق، يدور داخل إسرائيل نقاش واسع، على المستويين السياسي والعسكري، حول تداعيات حرب الأيام الاثني عشر، التي كشفت بوضوح حدود القوة الإسرائيلية أمام خصم يمتلك أدوات ردع متطورة وقدرة على الصبر الاستراتيجي. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن أي عمل عسكري جديد ضد إيران، من دون معالجة الإخفاقات التي ظهرت في الجولة السابقة، قد يؤدي إلى نتائج مماثلة أو أشد كلفة.

وتتمثل أبرز هذه التحديات في: الترهل النسبي في القدرات الدفاعية، والعجز عن توجيه ضربات دقيقة وحاسمة للبنية الصاروخية الإيرانية داخل جغرافيا شاسعة ومعقّدة، فضلًا عن الصعوبة البالغة في شل منظومة القيادة والسيطرة الإيرانية خلال فترة زمنية قصيرة، وهو شرط أساسي لأي حرب خاطفة ناجحة وفق العقيدة العسكرية الإسرائيلية.

إلى جانب البعد العسكري، يبرز العامل الأميركي بوصفه عنصرًا حاسمًا في معادلة الحرب والسلم. فقد أظهرت الولايات المتحدة، خلال الجولة السابقة، ترددًا واضحًا في الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران، مكتفيةً بضربة محدودة ومدروسة، أعقبها انسحاب سياسي وعسكري محسوب، يعكس رغبة واشنطن في احتواء التصعيد لا توسيعه.

هذا السلوك الأميركي لا ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية، وتحديدًا مع حسابات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يدرك أن أي مواجهة شاملة مع إيران لا يمكن خوضها من دون دعم أميركي كامل، سياسيًا وعسكريًا ولوجستيًا. غير أن المؤشرات القادمة من واشنطن لا توحي باستعداد حقيقي لخوض حرب واسعة، سواء على مستوى الإدارة أو في الخطاب السياسي الداخلي، الذي بات أكثر حساسية تجاه كلفة الحروب الخارجية.

حتى دونالد ترامب، المعروف بخطابه التصعيدي ونزعته الشعبوية، لا يزال يقدّم الضربة السابقة على أنها (نجاح محسوب)، دون إبداء أي رغبة في التورط في صراع طويل الأمد قد تكون كلفته الإقليمية والدولية باهظة، سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا.

في المقابل، تواصل إيران الاستثمار المكثف في تطوير قدراتها العسكرية، مستفيدة من نتائج المواجهة السابقة التي عززت موقعها الردعي، وأثبتت قدرتها على فرض معادلات جديدة أجبرت إسرائيل على القبول بوقف إطلاق النار. هذا المسار الإيراني لا يهدف فقط إلى الردع، بل إلى ترسيخ توازن قوى يجعل أي قرار إسرائيلي بالتصعيد مغامرة غير مضمونة النتائج.

وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن اندلاع مواجهة جديدة بين إيران وإسرائيل ليس مستحيلًا، لكنه غير مرجّح في المدى المنظور، في ظل غياب الشروط العسكرية والسياسية التي تضمن لإسرائيل حسمًا سريعًا أو كلفة محدودة.

أما على المدى الأبعد، فإن أي تغيّر في موازين القوة، أو تبدّل في المواقف الدولية، أو تطورات إقليمية غير محسوبة، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات مختلفة، تبقى جميعها رهينة بحجم التهديد، وقدرة الأطراف على فرض معادلات ردع جديدة، أو كسرها.