الثلاثاء - 16 يونيو 2026

دونالد ترامب بين مبدأ مونرو وملحق روزفلت: محاولة لإعادة تشكيل قيافة شرطي العالم..!

منذ 6 أشهر
الثلاثاء - 16 يونيو 2026

✍🏼كيان الأسدي ||

يُعد تدخل الولايات المتحدة الأميركية في السياسة العالمية منذ بدايات القرن التاسع عشر بداية التحول من دولة ناشئة إلى قوة مؤثرة، حيث بدأت واشنطن تعتمد استراتيجية توسيع النفوذ والهيمنة الاقتصادية عبر القوة العسكرية. هذا التحول لم يكن عفويًا، بل جاء تحت ضغط قوى نافذة داخل الولايات المتحدة، وعلى رأسها عائلتا روتشيلد وروكفلر، إلى جانب أصحاب الحملات التبشيرية واللوبيات الصهيونية، الذين ساهموا في توجيه القرار السياسي نحو مصالح اقتصادية بعيدة المدى.

منذ ذلك الحين، تبنت السياسة الخارجية الأميركية شعار “فرض السلام بالقوة”، وهو شعار يبدو للوهلة الأولى نبيلًا، لكنه كان في جوهره أداة لتأكيد الهيمنة وضمان النفوذ الأميركي في المناطق الاستراتيجية حول العالم. وهكذا تبلور مفهوم المصالح القومية الأميركية، ليصبح حجر الأساس للسياسة الخارجية، حيث ارتبط ارتباطًا وثيقًا بالخيار العسكري كوسيلة دائمة لتحقيق تلك المصالح، مع جعل القوة الاقتصادية والعسكرية خطًا متوازيًا يسهم في ضمان التفوق الأميركي.

عند اندلاع الثورة اليونانية ضد الحكم العثماني، واجهت الولايات المتحدة اختبارًا عمليًا لمبدأها في السياسة الخارجية. طلب اليونانيون دعم واشنطن سياسيًا وماديًا، إلا أن الرئيس الأميركي آنذاك جيمس مونرو تعامل مع الموضوع بحذر شديد. فقد رأى أن التدخل العلني والمباشر قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع الدولة العثمانية، وقطع المصالح الاقتصادية الأميركية التي كانت مزدهرة بفضل التبادل التجاري معها. ومن هذا الموقف نشأ ما يعرف بمبدأ مونرو، القائل بعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى.

لكن الواقع العملي لطالما خالف هذا المبدأ، إذ أن الولايات المتحدة كانت دائمًا تتدخل من تحت الطاولة لدعم أنظمة سياسية معينة أو تغيير أخرى بما يخدم مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية. ومن هنا يمكن القول إن مبدأ مونرو كان أداة سياسية ظاهرية أكثر منها قاعدة عملية، حيث كانت واشنطن تحرص على عدم الإفصاح عن تدخلها المباشر، لكنها كانت تحقق أهدافها بعناية من خلال الدعم المالي والسياسي والخفي.

مع نهاية الحرب العالمية الأولى وصعود روزفلت إلى الساحة السياسية، بدأت النخب الأميركية تدرك أن التمسك الصارم بمبدأ مونرو أصبح غير عملي في ظل التحولات العالمية الجديدة. فالحرب العالمية أظهرت أن القوى الكبرى لا يمكن أن تتجاهل الأزمات الدولية دون أن تتأثر مصالحها الاستراتيجية. ومن هنا ظهرت الحاجة إلى سياسة خارجية أكثر مرونة وقوة، قادرة على التكيف مع التحولات العالمية دون التخلي عن المصالح الأميركية.

ظهرت حينها رؤية مزدوجة: الرؤية الأولى رفضت فكرة الحرب من أجل الحرب، معتبرة أن التدخل العسكري يجب أن يكون مبررًا ومحدودًا، وأن السياسة الأميركية لا ينبغي أن تخضع لعواطف النزاعات العابرة. أما الرؤية الثانية، فقد شددت على أن أميركا، لتكون “شرطي العالم”، يجب أن تتبنى القوة العسكرية كأداة لفرض السلام، مستندة إلى الذريعة الكلاسيكية وهي الأمن القومي والمصالح الأميركية. هكذا نشأت صياغة جديدة للسياسة الخارجية الأميركية، قائمة على مزيج من القوة الاقتصادية والدبلوماسية المدعومة بالخيار العسكري عند الحاجة.

في هذا السياق، يمكن فهم السياسات الخارجية لدونالد ترامب باعتبارها محاولة لإعادة التوازن بين مبدأ مونرو وروح روزفلت. ترامب يتأرجح بين الانكفاء والانخراط، بين الحذر من الحروب العبثية واستخدام القوة بطريقة استراتيجية تحقق مكاسب اقتصادية ملموسة. فإستراتيجيته تقوم على خفض مستوى عسكرة المناطق التي تهم أميركا، مع التركيز على المواجهة الاقتصادية كأداة رئيسية، مدعومة بإمكانات عسكرية تجعل القوة الأميركية مرنة وفعالة عند الضرورة، لكنها ليست الهدف بحد ذاته.

تجسد هذه السياسة فكرًا جديدًا في مفهوم “الأمن القومي الأميركي”: كل صراع مستقبلي لا يُقاس بالقدرة العسكرية وحدها، بل بمدى تحقيقه للمكاسب الاقتصادية والمصالح الاستراتيجية. الفوضى، في هذا السياق، ليست عدوًا بالضرورة، إذا ما استطاعت أميركا استغلالها لتحقيق أهدافها الاقتصادية والسياسية. بل هي سلاح أميركا الذي اعتادت على استخدامه من اجل الهيمنة وهذا ما يجعل كل حرب محتملة محكومة بالمعيار التجاري والمصلحة الاقتصادية الأميركية، بدلاً من أن تكون مجرد صراع عسكري تكون كلفته اكثر من منفعته.

إن قراءة ترامب لهذا التاريخ السياسي الأميركي تكشف عن، حرصه على الجمع بين الهيمنة في التدخل العسكري والصلابة في الدفاع عن المصالح الاقتصادية. وهذا ما يقول عنه هو اعادة أميركا الى صدارة الدول العظمى بالقوة، بل هو محاولة لإعادة تعريف دور أميركا في العالم بطريقة تجمع بين الحذر الاستراتيجي والهيمنة الاقتصادية المدعومة بالعسكرية.

بهذه الطريقة، يحاول ان يصبح ترامب حلقة وصل بين إرث مبدأ مونرو القائم على الحذر من التدخلات العبثية على حساب المصالح الاقتصادية، وبين روح روزفلت التي ترى أن القوة ضرورية لفرض الهيمنة وحماية المصالح الأميركية. والسياسة الخارجية الأميركية تحت قيادته، بذلك، تتحول إلى مزيج من الجشع الاقتصادي والحسابات العسكرية المدروسة، حيث يسبق التفكير في الربح والخسارة العسكرية أي شعور بالحماسة للحرب. إنها محاولة لإعادة قيافة شرطي العالم، لكن بقناع جديد: شرطي لا يفرض السلام المزعوم بالقوة وحدها، بل باستخدام القوة لتحقيق مصالح اقتصادية واستراتيجية واضحة.