بين ضوء ترامب الأخضر وضغوط الواقع: لبنان على حافة اختبار جديد..!
✍🏼كيان الأسدي ||

لا يحتاج بنيامين نتنياهو إلى أكثر من إشارة سياسية واحدة لينفخ في بوق الحرب؛ إشارة قد لا تأتي إلا برفع يد دونالد ترامب وترك هامش الحركة مفتوحًا أمام التصعيد. ففي الحسابات الإسرائيلية، تبقى الحرب خيارًا مؤجّلًا لا ملغى، بانتظار اللحظة السياسية المناسبة أكثر من الجاهزية العسكرية.
تحاول الإدارة الأميركية، في هذه المرحلة، تحقيق ما عجزت عنه إسرائيل بالقوة العسكرية، مستخدمة أدوات الضغط السياسي والغطرسة الدبلوماسية واستثمار النفوذ المباشر وغير المباشر. وقد انعكس ذلك في سلسلة ضغوط مارستها واشنطن على الحكومة اللبنانية لدفعها نحو قرارات تتماهى مع الرؤية الأميركية، كان أبرزها ما سُمّي بقرار حصر السلاح بيد الدولة،
وهو قرار بقي في إطار الرمزية السياسية دون أن يمتلك شروط التنفيذ الواقعي. تلا ذلك الضغط باتجاه إدخال مفاوض لبناني مدني إلى لجنة الميكانيزم، مع فرض اسم محدّد ذي خلفية معروفة التوجّه، في خطوة قرأها كثيرون كمحاولة لوضع الأساس الأول لمسار تطبيعي تدريجي، قد تُستكمل فصوله إما بتصعيد إسرائيلي مضبوط أو بضربات أمنية مركّزة تستهدف العمق اللبناني لزيادة منسوب الضغط.
يقوم هذا السيناريو على رهانين أساسيين: أولهما مدى استعداد الدولة اللبنانية للقبول بمنطق الإملاءات الخارجية وتنفيذ ما تريده واشنطن، وثانيهما حجم ما تبقّى لدى لبنان من قدرة على الرفض والمناورة السياسية. كلا الخيارين مكلف، إلا أن الفارق يكمن في حسابات الربح والخسارة الأميركية.
فترامب، الباحث عن إنجاز سياسي سريع وقابل للتسويق داخليًا، قد يجد نفسه مضطرًا في لحظة ما إلى خفض التصعيد والاتجاه نحو تسوية محدودة تؤمّن استقرارًا نسبيًا في لبنان، تحفظ له مكسبًا سياسيًا من جهة، وتُرضي إسرائيل عبر مقاربة أمنية تُقدَّم على أنها ضمان لأمنها القومي من جهة أخرى.
في المقابل، حسمت المقاومة في لبنان موقفها بالوقوف خلف الدولة، معتبرة أن مسؤولية حماية البلاد تقع على عاتق المؤسسات الرسمية، أرضًا وسماءً وشعبًا.
غير أن هذا الخيار يضع الحكومة اللبنانية أمام مسؤولية مباشرة عن أي قرار تتخذه، سواء على مستوى مسار المفاوضات أو في ما يُطلب من الجيش تنفيذه عبر لجنة الميكانيزم، في ظل أوامر إسرائيلية لا تخفي طابعها الإذلالي أكثر مما تحمل نية حقيقية لتحقيق الاتفاق.
على الضفة الأخرى، يتحرّك الإسرائيلي باتجاه تحقيق هدف واضح: توجيه ضربات إضافية موجِعة لقدرات حزب الله، مع تركيز خاص على شمال غرب لبنان، إلى جانب عمليات اغتيال نوعية مشابهة للعملية الأخيرة التي استهدفت قائد أركان حزب الله، السيد أبو علي طبطبائي. وتبقى الضاحية الجنوبية المرشّح الأبرز لتكون المسرح الأوسع لأي تصعيد محتمل.
غير أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تدرك أن هذا المسار محفوف بالمخاطر، وقد ينقلب سريعًا إلى مواجهة مفتوحة إذا جرى المساس بعصب لا يمكن للمقاومة أن تلتزم حياله الصبر الاستراتيجي.
هنا، تتداخل الحسابات الأميركية والإسرائيلية، المرتبطة بمدى دقة المعلومات المتوافرة حول خيارات المقاومة وقدرتها على الرد، وما إذا كانت إسرائيل قادرة على استيعاب نتائج هذا الرد، أو أنها ستجد نفسها أمام مواجهة دموية جديدة وأزمة داخلية إضافية.
في الداخل الإسرائيلي، تميل أصوات وازنة داخل دوائر القرار إلى خيار المواجهة وتوجيه ضربة ثانية قاسية إلى لبنان، بهدف استنزاف ما تبقّى من قدرات المقاومة. ونتنياهو لا يبدو معارضًا لهذا الخيار، متى ما حصل على الضوء الأخضر الأميركي، في انتظار لحظة يعتقد أنها قد تعيد خلط الأوراق، ولو على حافة الانفجار.




