الأربعاء - 17 يونيو 2026

هل تتحول “خطة مارشال” من خطاب أممي إلى مشروع دولة .؟

منذ 6 أشهر
الأربعاء - 17 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

في لحظة سياسية واقتصادية دقيقة ، تزامنت مع تحولات إقليمية وتبدلات في أولويات المجتمع الدولي ، جاءت تصريحات الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة في العراق”محمد الحسان”، لتعيد طرح سؤال جوهري طال تأجيله هو هل يمتلك العراق مقومات الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة .؟

الإشارة إلى ما وُصف بـ«خطة مارشال عراقية» لاتُقرأ بوصفها وعداً أمُمياً أو مشروعاً جاهزاً للتنفيذ ، بقدر ما تُمثل أختباراً سياسياً وأقتصادياً لمقدار جاهزية الدولة العراقية لاستثمار فرصة نادرة من الاستقرار النسبي والتوازن الحذر .

إن إنهاء عمل بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) بنهاية كانون الأول ، أستجابةً لطلب الحكومة العراقية يحمل دلالات مزدوجة ، فمن جهة ، يعكس رغبة رسمية في تأكيد السيادة وأستعادة زمام المبادرة الوطنية ، ومن جهة أخرى يضع مؤسسات الدولة أمام مسؤولية الاعتماد على الذات في بيئة داخلية وخارجية لا تزال مُعقدة ، فالانسحاب الأممي لا يعني أكتمال التعافي المؤسسي ، وهو ما تؤكده بقاء ملفات حساسة قيد المتابعة الدولية ، تتصل بالمفقودين والممتلكات والأرشيف الكويتي ، وهي قضايا ذات بعد تاريخي وإقليمي ما زال يلقي بظلاله على صورة العراق ومكانته .

في هذا السياق ، يكتسب حديث “الحسان” عن الحاجة المُستمرة إلى دعم الأمم المتحدة في المجالات الاقتصادية والمصرفية أهمية خاصة ، فالاقتصاد العراقي رغُم وفرة موارده النفطية لكنه يُعاني من أختلالات هيكلية مُزمنة ، أبرزها ضُعف النظام المصرفي ، وهشاشة بيئة الاستثمار ، وتعقيد العلاقة مع النظام المالي العالمي ، القيود المفروضة على عدد كبير من المصارف العراقية ليست تفصيلاً فنياً، بل مُؤشر واضح على فجوة ثقة بين العراق والمؤسسات المالية الدولية ، وهي فجوة لا يُمكن ردمها بالخطاب السياسي وحده ، بل بإصلاحات تشريعية عميقة ، ومعايير شفافية صارمة ، وإرادة سياسية وطنية تفصل الاقتصاد عن التجاذبات الحزبية .

إن أستدعاء مُصطلح «خطة مارشال» يستحضر تجربة تاريخية لم تكن في جوهرها عملية ضخ أموال فحسب ، بل مشروعاً مُتكاملاً لإعادة بناء الدولة والمجتمع ، الخطة الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية ربطت الدعم الخارجي بإصلاحات داخلية صارمة وأشترطت وجود مؤسسات فاعلة ، وإدارة رشيدة ، ونخب سياسية قادرة على تغليب المصلحة العامة على الحسابات الضيقة ، أوروبا المُنهكة آنذاك لم تنهض بالمساعدات وحدها ، بل بتوافقها الداخلي على مشروع وطني جامع وهو درس تؤكده تجارب لاحقة لدول خرجت من أزمات عميقة .

فـ”ألمانيا الغربية” أعادت بناء أقتصادها على أساس الانضباط المؤسسي والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع ، و”كوريا الجنوبية” أنتقلت من دولة مُتلقية للمساعدات إلى قوة صناعية عبر الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا وحوكمة الدولة ، فيما قدمت “رواندا” بعد مأساة الإبادة الجماعية نموذجاً لبلد أعاد تعريف دور الدولة بأعتبارها أداة للمصالحة والتنمية لا ساحة للصراع ، في المقابل دول أمتلكت موارد ضخمة لكنها أخفقت في بناء مؤسسات قوية ، بقيت أسيرة الاقتصاد الريعي والتدخلات الخارجية ، وتبددت فرصها رغم وفرة الإمكانات .

من هنا ، فإن الرهان الحقيقي للعراق لا يكمن في أنتظار خُطة تأتي من الخارج ، بل في تهيئة الشروط الوطنية التي تجعل أي دعم دولي مُمكناً وفعالاً ، المجتمع الدولي لا يتعامل مع الدول على أساس النوايا الحسنة ، بل وفق معايير القدرة على الالتزام ، والاستقرار التشريعي ، وضمانات الاستثمار ، وسيادة القانون ، هذه كلها ملفات داخلية بأمتياز ، تتطلب قراراً سيادياً شُجاعاً بإصلاح بنية الدولة ، وتحرير مؤسساتها من منطق “المحاصصة” والتوافقات الهشة التي أضعفت الأداء العام وأهدرت الفرص .

حديث المبعوث الأممي عن «إعادة رسم موقع العراق والشعب على الخريطة العالمية» يضع الطبقة السياسية أمام مسؤولية تاريخية ، فالعراق يمتلك عناصر قوة حقيقية ، من موارد طبيعية وموقع جغرافي محوري ، وطاقة بشرية شابة ، إضافة إلى تراجع نسبي في مستويات العنف ، غير أن هذه الفرصة قابلة للتبدد إذا أستمرت إدارة الدولة بذهنية قصيرة الأمد ، تُقدم المصالح الحزبية والفئوية على التخطيط الاستراتيجي ، وتؤجل الإصلاحات بحجة التوازنات السياسية .

أخيراً وليس آخراً .. لا تمثل تصريحات الأمم المتحدة إعلاناً لمرحلة جديدة بقدر ما هي دعوة مفتوحة للاختيار ، إما أن يحسن العراق أستثمار هذا الخطاب الدولي الإيجابي لتحويله إلى مسار إصلاحي جاد يعيد بناء الثقة داخلياً وخارجياً ، أو أن يكتفي بتداوله إعلامياً ليبقى الحديث عن «خطة مارشال عراقية» عنواناً جذاباً بلا مضمون ، القرار كما في كل مرة لا يصنعه الخارج ، بل يتخذه من يدير الداخل ، ومسؤولية هذا القرار ستبقى معيار الحكُم على صدقية أي مشروع نهوض قادم …!