أربعينية إيران الثانية: كبوةُ الجواد الذي عادَ يدوّي صهيلُه..!
✍🏼 كيان الأسدي ||

يستهلّ المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران، سماحة السيد الإمام الخامنئي، حديثه عن المرحلة الجديدة بوصفها “أربعينية ثانية” تحمل في طياتها تحولات عميقة واستراتيجية، تعبّر عن ديمومة الثورة وقدرتها على تجديد نفسها باستمرار. فبعد أربعين عامًا من التجربة المتراكمة، استطاعت الجمهورية الإسلامية أن تعبر سلسلة طويلة من التحديات الداخلية والخارجية، وتثبت أنها ليست نظامًا سياسيًا عابرًا، بل مشروعًا حضاريًا طويل النفس، يقوم على قاعدة صلبة من الإيمان الشعبي والهوية الوطنية المتجذّرة.
ورغم تعددية التيارات السياسية داخل إيران، وما بين تيارات إصلاحية ومحافظة وثورية، فإن تجربة العقود الأربعة أثبتت أنّ هذه التباينات لا تُضعِف الدولة كما يتصوّر البعض، بل تشكّل جزءًا من حيوية النظام السياسي. فعند التهديد الخارجي، تتوحّد هذه التيارات تحت راية القائد، كما تجلى بوضوح خلال الاثني عشر يومًا من الحرب مع إسرائيل، حين وقف الإيرانيون صفًا واحدًا في مشهد نادر يختصر علاقة الشعب بثورته وبنيان دولته.
هذه الوحدة ليست موقفًا عابرًا، بل أصبحت سمة راسخة في الوجدان الإيراني، حتى لدى المعارضين الذين عادةً ما ينتقدون النظام بشدة. فالمفكر المعارض عبد الكريم سروش، المعروف بانتقاداته الفكرية والسياسية، لم يتردد خلال الحرب بالقول:
“أكثر ما يؤلمنا رؤية مجموعة من المرتزقة، لا يحملون من هويتهم الإيرانية سوى الاسم… لا أحد أقرب إلى أبناء الوطن من أبنائه أنفسهم.”
ويضيف مؤكدًا:
“نفتخر بأن هناك رجالًا في إيران يمضون على طريق الشهادة والتضحية، مدافعين عن أرضهم ودينهم.”
حتى الأصوات المعارضة الشرسة، مثل صادق زيبا كلام الذي طالما وجّه انتقادات حادّة للسياسات الخارجية وللبرنامج النووي لم يُخفِ تمسّكه بالانتماء الوطني في لحظات الخطر، إذ قال بوضوح مستهجنًا محاولات استغلال معارضته:
“أنا مندهش من نتنياهو وترامب ورضا بهلوي الذين يريدون مني الاصطفاف معهم ضد بلدي! قد تكون كتاباتي انتقادًا للنظام، لكن في هذه الظروف، لن أكون مع أعداء إيران.
“قد أختلف مع النظام، لكن لم ولن أقف مع أعداء إيران.”
هذه التصريحات ليست مجرد كلمات، بل دلالة على عمق الشعور الوطني الذي يتجاوز الخلافات، ويكشف أن قوة إيران لا تكمن فقط في قدراتها العسكرية أو برنامجها النووي أو حلفائها الإقليميين، بل في تماسك مجتمعها الذي يعرف متى يرفع الخلافات جانبًا، ومتى يقف أمام الخطر بصلابة واحدة.
محور لم يفقد أضلاعه
هناك من يروّج لفكرة أن إيران بدأت تخسر نفوذها الإقليمي، أو أن توازناتها في المنطقة تتراجع، لكن الواقع يثبت عكس ذلك. فحتى ما يبدو خسارة مؤقتة في أحد الأضلاع مثل تغيّر المعادلات في سوريا لا يعني انهيار المحور، بل إعادة ترتيب أولويات واستبدال بعضها بأخرى، ضمن استراتيجية طويلة الأمد أثبتت مرونتها في أكثر من ساحة.
لقد أظهرت السنوات الماضية أنّ إيران دولة تتقن إدارة النفس الطويل، وأنها تمتلك كوادر سياسية وأمنية وفكرية تستطيع التعامل مع التقلّبات الإقليمية دون فقدان البوصلة.
الخطوة الثانية: مشروع حضاري جديد
حين تحدث السيد الخامنئي عن “الأربعينية الثانية”، لم يكن يقصد فقط مرور أربعين سنة إضافية على الثورة، بل أراد الإشارة إلى مرحلة التحول الكبرى التي تدخلها البلاد، مرحلة وصفها بأنها “صناعة الحضارة الإسلامية الحديثة”. وهذا المصطلح ليس شعارًا، بل استراتيجية تتضمن:
• تعزيز بنية الاقتصاد المستقل
• تطوير القدرات العلمية والتكنولوجية
• توسيع دور الشباب في القيادة
• تقوية منظومة الردع والأمن
• بناء نموذج اجتماعي أخلاقي يواجه التحديات الثقافية المعاصرة
فالشباب، كما يؤكد القائد، هم محور الخطوة الثانية، وهم القوة القادرة على نقل الجمهورية الإسلامية من دولة صامدة في وجه الأزمات، إلى دولة مبادرة قادرة على إنتاج المعرفة وبناء نموذج حضاري بديل.
من الثورة إلى الحضارة
الأربعينية الثانية لا تُختزل في الاحتفال بمرور الزمن، بل تمثل انتقال الثورة من مرحلة التأسيس والصمود، إلى مرحلة ترسيخ الهوية الحضارية. وهذه المرحلة تفرض على إيران:
• مراجعة بعض التجارب السابقة
• تعميق القيم الثورية في الأجيال الجديدة
• تطوير أدوات القوة الناعمة
• تعزيز الانفتاح المدروس على العالم
• مواصلة بناء قطاع علمي وصناعي مستقل
لقد تأسست الجمهورية الإسلامية على قيم الإيمان والعدالة ومقاومة الهيمنة، لكنها اليوم تسعى إلى أن تتحول من دولة ذات مشروع سياسي ثوري إلى دولة ذات مشروع حضاري.
إن “الأربعينية الثانية” ليست كبوة ولا استراحة محارب، بل هي عودة صهيل الجواد الذي استعاد قوته بعد عقود من المواجهات الصعبة.
إنها مرحلة تعكس رؤية واضحة للمستقبل، وثقة بأن التجارب المريرة قد صقلت الإرادة، وأن الشعب الذي توحّد في لحظات الخطر قادر على حمل راية المرحلة المقبلة بثبات.
وبينما يدخل الإيرانيون هذه الحقبة الجديدة، يبدو أن الجمهورية الإسلامية تستعد لفتح فصل جديد في تاريخها، فصلٍ يتجاوز فكرة الصمود، نحو فكرة الريادة الحضارية في عالم يتغيّر بسرعة غير مسبوقة.




