فاطمة الزهراء “عليها السلام”.. القدوةٌ الشمولية المعصومة..!
كوثر العزاوي ||

في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتنازع الأفكار وتتقاطع التيارات، وتختلط فيه الأصوات بين دعواتٍ أصيلة وأخرى شاذّة، يحتاج الإنسان -ولا سيما المرأة الباحثة عن طريقٍ مستقيم- إلى نموذجٍ تستند إليه، يثبّت بوصلة الروح ويمنحها القدرة على تمييز النور من الظلمة.
ومن بين كلّ النماذج المضيئة في التاريخ، تبقى شخصية السيّدة فاطمة الزهراء “عليها السلام” الأكثر إشراقًا في هذا الدور، بوصفها قدوة آمنة تستند إلى النقاء الروحي، والوعي الرسالي، والبصيرة في النظر إلى مجريات الحياة.
لقد قدّمت الزهراء “عليها السلام” إنموذجًا فريدًا للمرأة التي لا تساوم على المبادئ، والتي تدرك أنّ الانحراف يبدأ بفكرة، وتزييف الوعي يبدأ بكلمة، وأنّ مواجهة الفكر المنحرف لا تكون بالانفعال أو المجاملة، بل بالثبات على الحقّ ووضوح الرؤية.
وإنّ المرأة التي تتخذ من الزهراء قدوة لها، فقد حصلت على قدوة شمولية معصومة، يترسخ معها منهج عمليّ متكامل في التعامل مع التحدّيات الفكرية، وفوضوية الأفكار المتدافعة بين الأصالة والحداثة، كونها تستند إلى العلم الصافي فهي ابنة بيت الوحي ومعدن المعرفة.
فالأقتداء بها آمنٌ، كونها تستضيء بالبصيرة، فلا تتبع ظنًّا ولا تنخدع بزخرف القول، كما أنها “صلوات الله عليها” تتحلّى بالحزم، وحفظ كرامة الإنسان لأن الكرامة أساس الإنسانية، وغير ذلك من الفضائل التي تؤهّل المرأة اليوم لتتخذ منها إنموذجًا يقتدى بها، وتضمن الاعتماد عليها في عالَمٍ تتشعّب فيه المفاهيم، ويختلط فيه الصالح بالطالح.
إنّ مواجهة المرأة للانحراف الفكري ليس مجرد مواجهة أفكار وحسب، إنّما مواجهة في جوهرها معركة من أجل حفظ هوية الإنسان: مَن هو؟ وإلى أين يسير؟ وكيف يسير؟ وما الذي يتحكّم في خيارات مساره؟
وهذا ما أثبتتهُ الزهراء عليها السلام في حياتها كحقيقة لاتقبل الشك.
لذلك كان أثر خطابها قد تجاوز اللحظة التاريخية آنذاك ليأخذنا إلى فهم جوهر الرسالة، لبناء إنسانٍ يعرف قيمته، ويحفظ عقيدته، ويصون إرادته من الخضوع للأهواء.
لذا فالمرأة التي تستلهم خطاها من فاطمة الزهراء لا تُقاد، بل تختار طريقها عن وعي فاطميّ، لا تنخدع بالشعارات، بل توزنُها بميزان التقوى والعقل، ولا تتبنّى فكرة إلّا بعدما تتأكد أنّ جذورها صافية وأن ثمرتها هدى ونور.
من هنا ندرك، أنّ فاطمة الزهراء “عليها السلام” هي ليست القدوة التي تتغيّر بتغيّر الأزمنة، بل إنها المرأة الحقيقية المعصومة في فكرها وسلوكها، الراسخة في مبدئها، فلا تساوم على الحق، ولا يقف دورها عند حدود عصرها فقط، لأنّها الحجّة على الخلائق إلى يوم القيامة.
لهذا كلّه، تبقى فاطمة الزهراء
حصنًا آمنًا، روحيًا وفكريًا وتربويًا، ممّا يمكّن للمرأة أن تعود إليه كلما تداخلت الأصوات، أو تلّونت الأفكار، أو اشتدّ غبار الطريق، كما أنها عنوان الصلاح في كل زمن يعزُّ فيه المثال الذي يقود نحو الثبات، وهي “سلام الله عليها” النموذج الذي يجمع بين العقل والروح، بين المبدأ والرحمة، بين الشجاعة والصفاء.
وهي المثل الأعلى وسيدة نساء العالمين وهي المرشد الصالح للمرأة في كل عصر وزمان، وركنًا شديدًا في مواجهة التيارات الشاذّة.
إذ تجلّى ذلك الرسوخ عبر ثباتها على الحق الذي جسدته بالموقف في خطبتها الشهيرة، وفي دفاعها عن الإمامة والعدالة والحق، لا بوصفه نزاعًا سياسيًا أو مطلبًا ماديًا، بل باعتباره صراعًا على بقاء الرسالة نقية من التزييف.
فالاقتداء بها هو اختيار واعٍ لمسارٍ يحمي الإنسانية ويثبّت الهوية ويمنح الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص القدرة على رؤية الطريق كما هو: مستقيمًا، واضحًا، مُضاءً بنورها.
٢٠- جمادي الآخر-١٤٤٧هـ
١٢- كانون الأول-٢٠٢٥م




