الجمعة - 15 مايو 2026

بل أحياء…(الشهيد محمد جميل عليوي الحچيمي)..!

منذ 5 أشهر
الجمعة - 15 مايو 2026

انتصار الماهود ||


حين نتكلم عن الشهداء يجب أن نتوضأ بماء طهور، لأننا نصبح في حضرة أطهر وأقدس الناس، لي الفخر أن أكون المدونة لسيرة 100 شهيد من ابطال حركة عصائب أهل الحق، طوال عقدين قدمت الحركة شهداء سواء على صعيد مقاومة المحتل أم في مقارعة الإرهاب، فكل حادث يمر بالعراق كنا نرى رجالنا الشجعان يتصدون له، فإخوة زينب كانوا دائماً وأبدا في مقدمة المقاومين والمقاتلين.

بذرة الخير تزرع وحين يحين قطافها تراها تعجب الزارع، وهذا كان حال بذرتنا شهيدنا البطل نبتت وأثمرت وأينعت وكان قطافها قد حان.

ولد محمد جميل عليوي الحچيمي في عام 1988، في أحد احياء بغداد العتيقة، جاء من تلك الدرابين التي ينبعث منها عبق المحبة والخير، والتمسك بكل ما هو جميل، جاء من بيئة عانت كي يعيش أبنائها عيشة كريمة، تربى وسط عائلة كادحة من أجل العيش الحلال، كَبُر بتعب وشقاء ولم يكن ليحصل على ما يريد بسهولة، فمحمد من أتباع علي امير النحل عليه السلام، وليس من أتباع معاوية الملعون كي ينعم بالعيش الرغيد، فمثل العبد الصالح مثل إمامه وقدوته، الحلال المتعب لا الحرام السهل، فالدنيا بزخرفها لم تغرهم ولم يلتفتوا لزينتها وبهرجها.

قسوة الحياة لم تمهله ليكمل دراسته، فساقته لمعترك العمل من أجل المساهمة في رعاية اسرته، التي قدمت له ما تستطيع بكل حب وإيمان، من يملأ الإيمان قلبه لن تعرف القسوة الطريق لطباعه أبدا، فكان محمد سمح الطباع لين العريكة، سهل المعشر له منزلة ومكانة طيبة بين أصدقائه وفي منطقته.

صحيح أنه لم يكمل دراسته، لكن هذا لا يمنع أن يتفرد ويتفوق في شيء آخر، فوجد نفسه في ممارسة الرياضة واحترافها، فقد كان بطلاً في رياضة التايكواندو، ووصل لمراحل احترافية متقدمة في هذه الرياضة، حتى غدا مدرباً وبدأ يحفز المتدربين من الشباب على ممارستها، لأنها تكسبهم القوة والانضباط، وهذا بالتاكيد انعكس على سلوك الفرد، وأثر فيهم تأثيرا عميقا لما رأوا فيه من إحترام لذاته وللمحيطين، ولمسوا فيه حب الوطن وشهامة قل نظيرها.

كان عام 2014 عاما مفصلياً في تاريخ العراق، فها هي لحظة الحقيقة التي تبرز معادن الرجال، وبالطبع لم يكن اختبارا صعباً لمحمد لا عقائدياً ولا أخلاقيا، لبى نداء الفتوى المباركة وتطوع ضمن صفوف المقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق ليدافع عن العراق ومقدساته.

كان محمد مقاتلاً شرساً قوياً مقداماً، أينما يكون وفي أي معركة يخوضها يكون في الصفوف الأولى دوماً، عرف عنه بقسوته في المعارك على الأعداء غربان الظلام، وكان يخرج من كل معركة منتصراً هو ورفاقه، ترك بصمة واضحةً في معارك الكرمة والبوعجيل، مقاتلاً وأخاً وسندا لباقي المجاهدين، كان دوما يردد مقولته التي حفظها عنه المقربون، (أما النصر أو الشهادة وكلاهما عز وشرف).

في بيجي العصية كانت المحطة الاخيرة لمحمد، نعم فقد كانت هذه الأرض عصية على داعش ولم يستطع أن يحتلها ويرفع رايته الشؤم السوداء فوقها، رغم أنها كانت محاصرة من كل الجهات، ومطوقة بالشر إلا إن في داخلها رجالاً أشداء، أبوا أن تسقط بيد الإرهاب شهور من المقاومة التي لم ترى لشاجعتها مثيل، مكافحة الإرهاب وإخوة زينب كتف الى كتف، لماذا وما هو سر هذه القوة والصمود، لن تعرفها يوما حتى تتحدث مع أحد الأبطال الناجين من هذه المعركة الشرسة.

كان يوم 26 من حزيران عام 2015 آخر يوم من حياة محمد، ها هو سيودع رفاقه كان يضحك ضحكاته المعتادة، ويشد عزيمتهم، كيلا يستسلموا في هذا الوقت الحرج، كان يرى أن النصر قريب جداً لكن الصبر والثبات هو ما سيحقق نصرهم، عجيب هذا الرجل حتى في آخر لحظات حياته وهو قريب من الموت يدنو منه، لكنه لن يتخلى عن شجاعته التي عرفه عنها الجميع، ولا عن تفاؤله، هنا ختام الحياة وهي أول محطة لما بعد الموت، هنا نقش محمد اسمه بين صفوف الأبطال الصناديد، هنا ترك محمد أثراً جميلا كجمال روحه، هنا سقى أرض بيجي بدمائه الطاهرة لتنبت عزاً وكرامة وشرفاً، ارتقى محمد لجوار ربه إثر معركة شرسة مستبشراً بالشهادة التي نالها أخيراً.

فسلام على روحك أيها القديس الذي ترك في قلوبنا عظيم الأثر، والملتقى عند الحسين الشهيد عليه السلام إن شاء الله.