الأحد - 14 يونيو 2026

أيُ رئيس وزراء يحتاجه العراق اليوم .؟!

منذ 7 أشهر
الأحد - 14 يونيو 2026

طه حسن الأركوازي ||

لم يعد الجدل في العراق يدور حول من سيشغل منصب رئيس الوزراء بقدر ما أصبح السؤال الحقيقي : أيُّ نوع من القيادة تحتاجه الدولة في هذه اللحظة المفصلية .؟

هل تحتاج رئيساً يمتلك شجاعة القرار أم موظفاً تُمسك بخيوطه الأحزاب من وراء الستار .؟

هذا السؤال لم يعد ترفاً سياسياً ، بل أصبح جوهر معركة بناء الدولة ، فالعراق يقف اليوم على حافة تحولات عميقة ، تتطلب قيادة وطنية حكيمة قادرة على إعادة تعريف وظيفة السلطة التنفيذية ، لا إدامة نمط إداري يعيد إنتاج الأزمات ذاتها .؟

تظهر ملامح الأزمة العراقية في عُمقها الاقتصادي والإداري والاجتماعي ، إذ بات النظام الريعي المُعتمد على النفط عاجزاً عن توفير قاعدة تنموية مُستدامة ، فيما تتآكل مؤسسات الدولة تحت وطأة إدارة مُرتبكة ، وغياب الرؤية الشاملة ، وتراجع البنى الإنتاجية ، فالقطاعات الحيوية التي يُفترض أن تكون عصب التنمية “الكهرباء ، المياه ، الصناعة ، الزراعة” باتت عنواناً دائماً للتعثر ، وأصبح مستوى الخدمات الأساسية موضع تساؤل يومي .

أما التعليم والصحة والنقل والاستثمار ، فقد تحولت إلى ساحات تُكشف فيها هشاشة الإدارة العامة ، ويظهر فيها بوضوح كيف تُهدر الفرص حين تغيب القيادة القادرة على تحويل الإمكانات إلى منجز .
وتأتي هذه المشكلات في سياق سياسي لم يستطع خلال السنوات ال 22 الماضية إنتاج حكومة تُمثل مشروع دولة حقيقي ،

فالتجارب الحكومية المُتعاقبة لم تكن أمتداداً لإصلاح تراكمي بقدر ما كانت محطات مُؤقتة تُدار في ظل تفاهمات سياسية ضيقة ، تُعيد تدوير الوجوه ذاتها ، وتفتح المجال أمام توسع شبكات الفساد ، وما زاد من تعقيد المشهد هو غياب القدرة على تحويل الوفرة المالية إلى مشاريع قابلة للحياة ، حيث ظلت الإدارة المالية أسيرة منهجية تقوم على الصرف وتوزيع الموارد ، لا على البناء والتخطيط .

ورغم قتامة الصورة إلا أن اللحظة الحالية تحمل فرصة مهمة إن أحسنت الطبقة السياسية قراءتها ، فمرحلة ما بعد الانتخابات تفتح باباً لإعادة تشكيل التفاهمات السياسية وفق مُقاربة مختلفة ، لا تقوم على المحاصصة وحدها ، بل على إدراك أن التحديات أصبحت أكبر من أن تُعالَج بتكتيكات اللحظة ، وتشير التصريحات الصادرة من الإطار التنسيقي ، ومن القوى السنية والكردية ، فضلاً عن آراء خبراء الاقتصاد والسياسة ، إلى إدراك مُتزايد بأن الدولة بحاجة إلى نمط حكم أكثر رشُداً ، وإلى رئيس وزراء يمتلك رؤية قابلة للتطبيق ، ويحظى بمقبولية داخلية وإقليمية ودولية .

وما يمكن أستحضاره هنا هو الدرس الذي قدمته تجارب دول مرت بأضطرابات سياسية وأقتصادية مُشابهة للعراق ، فقد أظهرت تلك التجارب أن أستعادة الدولة تبدأ من أختيار قيادة تنفيذية قوية ، لا بالصدام مع القوى السياسية ، بل بإعادة تعريف العلاقة بين السلطة والحزب ، وبين القرار والمصلحة الوطنية .

في بعض البلدان ، مثل دول خرجت من أزمات أقتصادية كُبرى أو حروب أهلية ، لم يكن النجاح نتاج شخصية فردية فحسب ، بل نتيجة تحالف وطني واسع أدرك أن اللحظة تتطلب التنازل عن الحسابات الضيقة مُقابل الحفاظ على أستقرار الدولة ، هذه التجارب تُؤكد أن الإصلاح لا يتحقق بقرارات فوقية فقط ، بل ببناء ثقة شعبية ، وتقوية المؤسسات ، وتقديم نموذج حكم يستند إلى المهنية لا الولاء .

أما في العراق ، فتبدو الحاجة مُلحة للانتقال من إدارة ترميمية إلى إدارة مؤسساتية تستند إلى رؤية بعيدة المدى ، ويبدأ ذلك من معايير أختيار رئيس الوزراء ، فالدولة اليوم ليست بحاجة إلى رجل يتقن لغة التوافقات دون أمتلاك القدرة على تحويلها إلى مشروع حكومي ، ولا إلى رئيس حكومة يتعامل مع المنصب بصفته وظيفة سياسية محكومة بميزان القوى فحسب .

العراق بحاجة إلى قائد وطني حكيم يفهم أن المنصب أمانة ومسؤولية تاريخية ، لا مساحة للتجربة أو المجاملة ، قيادة تستطيع أن تُوازن بين ضرورات الشراكة السياسية ومتطلبات القرار الوطني ، وأن تُدير التعقيدات الداخلية بأقل قدر من الصدام وبأعلى قدر من الحزم .

إن الحديث عن «المصلحة الوطنية» يجب ألا يبقى في إطار الشعارات ، بل يتحول إلى معيار حقيقي يُبنى عليه القرار السياسي ، فالمصلحة الوطنية كما تُظهر تجارب الدول المستقرة ، تقوم على حماية الأمن ، وضبط الاقتصاد ، وتعزيز سيادة القانون ، وأمتلاك القدرة على أتخاذ القرار المستقل ، وهذه المفاهيم لن تتحقق ما لم تدرك القوى السياسية أن شرعية الحكم لا تُستمد فقط من صناديق الاقتراع ، بل من أداء مؤسسات الدولة ، ومن قوة القانون ، ومن ثقة المواطن بقدرة الحكومة على إدارة شؤون البلاد .

ومع دخول البلاد مرحلة التفاهمات السياسية لتشكيل الحكومة المقبلة ، تبدو الفرصة سانحة لإرساء قواعد مختلفة ، شرط توفر الإرادة السياسية لذلك ، فحين تكون الدولة قوية ، تصبح التحالفات أكثر ثباتاً ، ويغدو الصراع السياسي محكوماً بقواعد واضحة لا بتحالفات أضطرارية تُبنى على حساب المصلحة العامة ، وعندما تستعيد الدولة ثقة الناس ، يتراجع تأثير الأزمات ، وتقل كُلفتها ، ويصبح المستقبل أكثر قابلية للتشكل وفق رؤية وطنية جامعة .

لا يحتاج العراق اليوم إلى بطل خارق ، بل إلى قائد يملك شجاعة القرار ، ورؤية واضحة ، وقدرة على أن يكون ممثلاً للدولة لا لمراكز الأحزاب ، قائد يفهم أن المنصب ليس أمتيازاً ، بل عبء ثقيل لا يستحقه إلا من يضع العراق أولاً ، ويتقدم بخطاب مسؤول لا يصنع خصوماً ، بل يصنع حلولاً ، ويعيد للمواطن ثقته بأن الدولة قادرة على النهوض مهما تراكمت الأزمات .

أخيراً وليس أخراً .. إن مسؤولية الطبقة السياسية في هذه المرحلة ليست أختيار شخص يملأ المنصب ، بل آختيار قيادة تستطيع حماية الدولة من الفراغ والانقسام ، وتعيد للعراقيين إشراقة الأمل بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل حين تُقدم الكفاءة على الولاء الحزبي ، والمشروع على الحسابات الضيقة ، والمصلحة الوطنية على كُل ما سواها …!